أقسام المدونة

الأحد، 14 يونيو 2026

حلق الديك: شريان العراقة الحجري وممر الأجداد إلى سوق التربة

 

تتكامل جغرافيا قرية يهوسن لتجمع بين سحر الخضرة وعظمة الكفاح الإنساني؛ فكل صخرة وكل درب في هذه البلاد يروي حكاية صبر وجلد سطرها الأجداد بمسيرتهم اليومية. ومن بين هذه المعالم الجغرافية والتاريخية الفريدة التي تشد الانتباه بمجرد سماع اسمها، يبرز طريق "حلق الديك" الصاعد نحو القمم.

​سر التسمية والمسار الهندسي المهيب

​يحمل هذا الممر اسماً لافتاً يتردد صداه في المنطقة وهو "حلق الديك"، وتعود هذه التسمية إلى طبيعة التوائه الحاد وهندسته الصخرية المتعرجة الشبيهة بحلق الطائر، وهو عبارة عن طريق جبلي قديم وممر راجل يتخذ مساراً عمودياً صاعداً من أسفل الوادي—الذي يصب فيه شلال الركب الأسطوري—وصولاً إلى أعلى قمة الجبل حيث تستقر قرية يهوسن الحصينة.

​يبدأ هذا الطريق التاريخي من بطن وادي الأشروح، ليرتفع تدريجياً عبر مدرجات ومنحدرات جبلية شاهقة حتى يربط الأسفل بالأعالي في تناغم تضاريسي مذهل.

​شريان الحياة الاقتصادي لمناطق الحجرية

​قبل شق الطرقات الحديثة وتمدد السيارات، كان طريق "حلق الديك" هو القبلة والممر الرئيسي الذي يعتمد عليه السكّان في مناطق واسعة من الحجرية؛ حيث كان يمثّل الرابط الأساسي لـ:

  • أهالي بلاد قُدس وضواحيها.
  • أهالي بلاد بني حماد وضواحيها.
  • أهالي منطقة مطران والقرى المجاورة.

​كان الجميع يمرون من هذا الدرب مشياً على الأقدام، متكبدين وعثاء السفر ومتحدين قسوة المرتفعات، متوجهين صوب "سوق التربة" الشهير، الذي كان يُعد مركز التسوق والتجمع الاقتصادي الأكبر لهم لتوفير كافة مستلزماتهم المعيشية، والغذائية، والبضائع الأساسية.

​عبقرية الدرج الحجري غير المعبد 




​هذا الطريق ليس معبداً بالأسفلت، بل هو ممر أثري نُحت ورُصف بأيدي الأجداد ليتحول إلى سلسلة ممتدة من الدرج الحجري الصخري المحكم.

​وتنقل لنا الصورة المرفقة هذا المعلم الأثري البديع؛ حيث يظهر مجرى الطريق الحجري العتيق وهو يتلوى كالثعبان بين التلال، مدرجاً بحجارة صلبة صمدت أمام السيول وعوامل الزمن، وتحيط به الخضرة والمزارع الجبلية، مشكلاً حلقة وصل تاريخية تزيد أبناء يهوسن فخراً وشموخاً بإرث أجدادهم الذين قهروا الصخور لشق دروب الحياة والعيش الكريم


إن طريق "حلق الديك" ليس مجرد درب للمشي، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الكفاحية والتاريخية لقرية يهوسن وجوارها، وشاهد حي على زمن كان فيه الإنسان والدرج والصخر يصنعون معاً أمجاد بلاد الحجرية.

وادي جراجر: الفردوس الأخضر الممتد وحارس التخوم في يهوسن

 

تستمر قرية يهوسن في إبهار كل من يقترب منها بتنوع أوديتها ومجاريها المائية التي صاغتها يد الطبيعة العذراء لتكون جناناً معلقة على الأرض. ومن بين هذه الأودية الخصيبة، يبرز "وادي جراجر" كأحد أجمل الشواهد الطبيعية التي تحلق بالخيال بعيداً عن حدود الوجود.

​غيوم من الأشجار وامتداد يلامس الجوار

​يُعد وادي جراجر من الأودية شديدة الخصوبة، ويمتاز بمنظره الرائع الساحر؛ حيث يتغطى بـ "غيم من الأشجار" الكثيفة والملتفة التي تحجب أشعة الشمس وتضفي على المكان برودة ونشوة دافئة.

​يمتد هذا الوادي الأخضر الممتد بمسافاته الطويلة ليشمل جغرافيا القرية بأكملها، حيث يبدأ من أول حدود قرية يهوسن ويستمر متدفقاً حتى آخر نقطة منها، ليجاور في نهايته القرى المحيطة والمحاذية له وهي:

  • قرية السلم
  • قرية الصردف

​رحلة السيول وتدرج المدرجات الزراعية

​عند هطول الأمطار المباركة على قرية يهوسن والقرى المجاورة لها (السلم والصردف)، تنحدر المياه وتتدفق السيول بغزارة لتصب في بطن وادي جراجر، مرويةً منظومة متكاملة من المدرجات الزراعية (الأحوال) المرتبة بهندسة يمنية أصيلة:

  1. حول الوسطى: وهو أول المدرجات الزراعية استقبالاً للماء في أعلى الوادي.
  2. حول مردع البركة: يليه في الترتيب المائي ليتلقى فيوض السيول المتدفقة.
  3. حيد الغوار: يمثل آخر المدرجات الزراعية في الوادي، وهو عبارة عن جبل صخري شاهق ومطلٌّ بهيبة ووقار على وادي الأشروح ومناطق بني حماد الممتدة في الأسفل.

​سحر الطبيعة بالصورة



​تنقل لنا الصورة المرفقة هذا الجمال الأخضر الخلاب لوادي جراجر؛ حيث تكسو الأشجار الكثيفة والوارفة بطن الوادي وجنباته كبساط زمردي ناضر، وتتداخل فيه المدرجات الزراعية البسيطة التي يرويها السيل، محاطة بالقمم والجبال الشاهقة التي تميز جغرافيا الحجرية، لتؤكد اللقطة عمق الراحة والسكينة التي يجدها الزائر في هذا المكان.


إن وادي جراجر بغاباته الكثيفة، ومدرجاته المتسلسلة من "الوسطى" حتى "حيد الغوار"، يمثل لوحة ختامية فائقة الجمال لقرية يهوسن؛ أرض الأصالة، والماء، والخضرة، والوجه الحسن.

فساتين الربيع وحنين الجدران: يهوسن الحبيبة وموئل الأجداد والأصالة

 

إن للمكان روحاً تشدّ النفوس، وفي قرية يهوسن يتجلى هذا الوجود المتكامل الذي صاغه رب العباد ليكون آية في الجمال والروعة على مدار فصول السنة. هي المعشوقة التي لا تُنسى، واللوحة التي تسحر العيون والقلوب كلما تبدلت أثوابها وتزينت بجمال الطبيعة.

​الفساتين الخضراء وزينة الفصول

​أراد الخالق لهذه القرية الحصينة أن تكون فاتنة بكل تفاصيلها؛ فحين يحل الربيع، يكسو تضاريسها وجبالها بساطٌ أخضر ممتد كأنه الحلي والمطرزات التقليدية البديعة التي تغزلها الطبيعة بعناية.

​تطل يهوسن على محبيها بفساتينها الرائعة والمتنوعة، فتارةً تتشح بوشاح الضباب الأبيض، وتارةً تزدان بالخضرة اليانعة، لتبقى دوماً مكاناً تشتاق إليه العين والروح، ولسان حال أبنائها يلهج حباً وفخراً: "تفديك روحي يا قريتي الجميلة".

​حنين الجدران وإرث الأجداد الشامخ

​هذا الحب الجارف ليس وليد اللحظة، بل هو ارتباط وثيق بالتراب والهوية؛ فكلما اشتد الشوق بأبنائها، سارعوا لزيارتها، يقبلون جدرانها العتيقة وحجارتها الصامدة، تعبيراً عن حب عميق وولاء لمن سكن هذه الديار ونزلها من الآباء والأجداد.

​لقد ترك الأجداد خلفهم تاريخاً مجيداً وتراثاً كبيراً محفوراً في تفاصيل البيوت والحصون والمزارع، وفي كل نظرة تقع على هذا الإرث العريق، يزداد الأبناء فخراً وشيوخاً وشموخاً بانتمائهم لآل السروري ولهذه الأرض المباركة.

​توثيق الجمال والوفاء بالصور

​تأتي الصور المرفقة لتترجم هذه الكلمات الشاعرية العذبة إلى مشاهد حية:

  • جمال المدرجات والكسوة الخضراء 



  • لقطة ساحرة تبرز أحد فساتين القرية المطرزة بالخضرة، حيث تحتضن المدرجات الزراعية الخصيبة أشجار الذرة والنباتات الواعدة بعد هطول الغيث، لتعكس عظمة الإنتاج الطبيعي وجمال الريف

  • ​شموخ البناء وعراقة الحصون 



  •  توثق هذه الصورة جدران منارة القرية الحجرية وبيوتها العتيقة المتربعة فوق قمم الجبال الشاهقة، التي يقبلها المحبون حنيناً للأجداد، مشرفةً بهيبة ووقار على الوديان والمجاري المائية الممتدة في الأسفل

محراب الوحدة والوداد: جامع يهوسن وملتقى آل السروري في يوم العيد

 

المعالم في قرية يهوسن ليست مجرد جدران وأحجار، بل هي روح تنبض بالوجود المتكامل، وتاريخ يروي حكاية التلاحم والصفاء الذي يتوارثه الأجيال. وفي قلب هذا الوجود، يقف جامع القرية شامخاً ليكون الشاهد الأكبر على وحدة الكلمة والقلوب.

​صرح العقيدة واللقاء المبارك

​في هذا الصرح الديني المبارك والمسجد الجميل، تذوب المسافات وتتجلى أسمى معاني الأخوة الإنسانية والإسلامية. هنا، يجمع الأهالي محراب واحد، ويرتفع فوقهم أذان واحد، وتلمهم عقيدة واحدة راسخة تتحدى عوادي الزمن.

​ومع انقشاع سحابة صلاة العيد في هذا الجامع المتواضع ببنائه، العالي الشامخ بمنارته، يغدو المكان هو الملتقى الأعظم لجميع أفراد الأسرة والقرية الواحدة؛ حيث يلتقي فيه رجال وأبناء آل السروري يتبادلون فيوض المشاعر الجميلة، ودفء العواطف الصادقة، وتبادل القبلات والتهاني التي تعبر عن أصدق آيات المحبة. إنه مشهد يجسد صفاء الوجوه ونقاء القلوب التي غسلها الإيمان والوداد.

​منارة تصدح بالجمال


 

​توثق الصورة المرفقة هذا المعلم الروحي والتاريخي البديع؛ حيث ترتفع منارة الجامع الشامخة في سماء يهوسن، والتي يتردد صدى أذانها الجميل والندي في كل وادٍ وهضبة من هضاب القرية. يظهر خلف السور الأبيض أفراد من آل السروري وهم يتجمعون في باحة المسجد عقب الصلاة، في لقطة حية تختصر قيم الروابط الأسرية المتينة والبهجة الفطرية التي يزدان بها ريفنا الغالي في أيام المسرات.


إن هذا الملتقى العيدي تحت ظلال المئذنة الشامخة يؤكد أن قوة قرية يهوسن لم تكن يوماً في تحصيناتها الجبلية فحسب، بل في هذه القلوب الحية المتآلفة التي تجتمع على الحق والخير، وتحمل إرث الأجداد والمصلحين بكل فخر ووفاء.

ملتقى الهيبة والجمال: "سيل الركب" الأسطوري وشلال وادي يهوسن الشامخ

 

حين تجود السماء بخيراتها على جبال الحجرية وتعز، تتشكل في الأفق لوحة طبيعية مهيبة تتجاوز حدود الخيال؛ حيث تنصهر الجغرافيا وتتحد الوديان لتعزف معاً سيمفونية الهطول والتدفق، معلنةً عن ميلاد "سيل الركب" (أو سيل ذبحان) الأسطوري.

​شريان الطبيعة: من أين يولد سيل الركب؟

​لا يمثل سيل الركب تدفقاً عادياً للمياه، بل هو الملتقى الأعظم لسيول المنطقة؛ حيث تتجمع الهطولات والسيول الجارفة المتدفقة بعد الأمطار من ثلاثة محاور استراتيجية وضواحيها:

  1. منطقة ذبحان وضواحيها الباسقة.
  2. منطقة المشارقة وضواحيها العريقة.
  3. منطقة عهدة وضواحيها الجميلة.

​تندمج هذه القوى المائية الهائلة وتصب كامل طاقتها في وادٍ واحد هو وادي يهوسن الحصين، لتصنع مشهداً تسير به الركبان ويسلب عقول كل من وقف على ضفافه.

​شلال الركب: الطائر المشتاق لمعانقة الأرض

​الذروة والجمال الخيالي لهذا السيل يتجليان عندما تصل هذه الحشود المائية إلى حافة الارتفاع الشاهق لتتدفق وتصب بقوة من "شلال الركب" المهيب.

​من ذلك الارتفاع العالي جداً، ينطلق الماء متطايراً في الفضاء كأنه طائر مشتاق يسرع لمعانقة الأرض الخصيبة والبراعم الندية. يملأ المكان رذاذ مائي كثيف ونسيمات متطايرة تدغدغ الحشائش والنباتات المستقرة على المدرجات الجبلية، لتعطرها بعبير الندى الفواح وتغمر الوادي بنشوة وراحة دافئة.

​مسار السيل: من يهوسن إلى البركاني

​بعد هذا الهبوط الأسطوري والشلال الشامخ، يواصل السيل الهادر مسيرته الطويلة، فيمر بـ وادي الأشروح الممتد بمسافاته الطويلة، شاقاً طريقه بقوة وعنفوان حتى يصل في نهاية المطاف إلى منطقة "البركاني"، وهناك يتفرع ويتوزع ليروي مساحات شاسعة من الأراضي والوديان المستقرة في الأسفل.

​توثيق الطوفان الأبيض بالصور

​تنقل لنا لقطاتكم المصورة القوة والجمال الطبيعي الآسر لهذا السيل المبارك:

  • هيبة الشلال والهبوط الشاهق




  • ​توثق هذه الصورة الرهيبة شلال الركب وهو يتدفق بياضاً كالثلج من أعلى القمم الصخرية الشاهقة لـ يهوسن، منحرفاً ومندفعاً بقوة بين الصخور في مشهد بانورامي يحبس الأنفاس

  • ​انسياب السيول في بطن الوادي


  • تظهر اللقطة الثانية السيل بعد هبوطه وهو يشق مجراه كالشريان الأبيض وسط الخضرة والمدرجات، محاطاً بأشجار الوادي الكثيفة التي ترتوي من رذاذه العذب





  • امتداد البساط الأخضر والضباب صورة بديعة تلخص مشهد الجبال والمزارع المحيطة بمسار السيل وهي مغسولة بماء المطر ومتشحة بالضباب، حيث تبتسم الطبيعة وتتفتح مساماتها ابتهاجاً بمرور هذا الغيث الهادر

هيجة العدوف: الغابة الساحرة والمعالم التاريخية في جنوب شرق يهوسن

 

إلى جانب الجداول والينابيع، تحظى قرية يهوسن بتنوع تضاريسي وبيئي مذهل يجعلها بستاناً أخضر متكاملاً. ومن أبرز هذه المعالم الطبيعية والتاريخية الفريدة المتربعة في جنباتها، تبرز منطقة "هيجة العدوف" كشاهد على جمال الطبيعة وعراقة الاستيطان البشري.

​غابة الهيجة.. طبيعة بكر وبرك مائية ساحرة

​تقع "هيجة العدوف" في الجهة الجنوبية الشرقية من قرية يهوسن، وهي عبارة عن غابة كثيفة ممتدة وطويلة المسافة، تمتاز بخضرتها الدائمة وأشجارها الوارفة التي تظلل المكان.

​ولا تقتصر روعة الهيجة على أشجارها فحسب، بل يتخلل هذه الغابة الممتدة العديد من الأماكن البديعة والبرك المائية الجميلة التي تجمع مياه الغيث والينابيع، ومن أشهر هذه البرك التاريخية التي يعرفها الأهالي:

  • بركة بوريا
  • بركة العيل

​تعتبر هذه البرك بمياهها الصافية واحة هدوء واستراحة للمارين ورعاة الماشية وسط الطبيعة البكر.

​دار وسد العدوف: حراس الوادي والتاريخ

​امتداداً لجمال الغابة وطبيعتها، تبرز المعالم البنائية التاريخية التي تؤكد قدم هذه المنطقة:

​1. دار العدوف التاريخي

​يلي البرك مباشرة معلماً هندسياً عريقاً وهو "دار العدوف"؛ دارٌ يفوح منه عبير التاريخ القديم، ويتميز بموقعه الاستراتيجي الفريد حيث يتوسط أول الوادي في اتجاه قرية يهوسن، ليكون بمثابة البوابة الحارسة والمشرفة على المزارع والوديان المستقرة في أحضان القرية.

​2. سد العدوف

​يعقب الدار التاريخي "سد العدوف"، وهو منشأة مائية تقليدية هامة شيدت لحجز المياه وتنظيم الاستفادة منها في ري وتغذية الأراضي الزراعية المحيطة، ليكمل منظومة الري البديعة التي تمتاز بها المنطقة.

​توثيق طبيعة ومعالم العدوف بالصور

​تضعنا الصور المرفقة في قلب هذه الأجواء الخضراء والتاريخية:

  • جمال الخضرة والامتداد


  • توثق هذه اللقطة الطبيعة الساحرة للمنطقة، حيث تظهر الأشجار الكثيفة والنباتات الخضراء التي تميز الغابة، ممتدة بين الصخور الجبلية ومحيطة بالمسارات المائية.
  • ​عراقة البناء والوديان


  • تظهر الصورة الثانية إطلالة على الوادي حيث تنساب المدرجات الزراعية والأشجار، ويبرز في الأفق البناء التقليدي العتيق الذي يعكس نمط العمارة اليمنية القديمة وحضورها المهيب في وسط الوادي



هندسة الري التقليدي في يهوسن: حكاية "المردة" وسواقي الخير

 

الزراعة في ريف اليمن ليست مجرد مهنة، بل هي قصة تلاحم أبدي بين الإنسان والأرض. وفي قرية يهوسن، يتجلى ذكاء الأجداد في ابتكار أنظمة ري تقليدية فريدة تضمن استدامة الحياة للمحاصيل والمزارع، مستفيدة من نعم السماء والينابيع المتدفقة.

​سر التسمية: ما هي "المَرَدة"؟

​حبا الله قرية يهوسن بمورد مائي خاص ودائم؛ وهو السيل المتدفق من الينابيع المجاورة للوادي. ولكي تتحقق العدالة في التوزيع والاستفادة القصوى من كل قطرة ماء، أنشأ الأهالي حاجزاً مائياً تقليدياً يُعرف باسم (المردة).

​ولغوياً وتراثياً، فإن اسم "المردة" مأخوذ من الفعل (مَرَدَ) أو (رَدَّ الماء)؛ أي منعه وحجزه وسدّ طريقه. وهو عبارة عن حاجز محكم أو سدٍّ صغير وظيفته حبس وتجميع مياه السيل والينابيع لبضعة أيام أو ساعات معينة، حتى يتسنى التحكم بمسارها وتوجيهها صوب السواقي.

​عبقرية ري المزارع بنظام "الدَّوْر"

​بعد أن يجتمع الماء خلف "المردة"، يبدأ مزارعو الوادي بأخذ حصصهم من المياه وفق نظام مائي دقيق ومتوارث يعتمد على "الدَّوْر" (مزارع تلو الآخر)، مما يتيح ري البساتين على مدار العام دون عناء أو نزاع.

​ومن المزارع الخالدة التي يمتد إليها المجرى المائي الرئيسي من هذا الحاجز:

  • مزرعة العم/ عبدالواسع محمد عبدالله
  • مزرعة العم/ قاسم أبو بكر وعمر
  • مزرعة العم/ عبدالرحمن محمد عبدالله
  • مزرعة العم/ محمد عبدالهادي

​توثيق هندسة الماء بالصورة




​تظهر الصورة المرفقة حاجز "المردة" التقليدي المبني بإتقان بين صخور الوادي الشديدة، حيث يظهر بوضوح كـ (سد وحاجز) يمنع هدر المياه ويجمعها، لتتدفق من فوقه بعد ذلك كشلالات صغيرة عذبة تجري في الساقية والمجرى الممتد نحو بساتين الأعمام الكرام، مستظلة بأشجار الوادي الكثيفة والوارفة.


إن نظام الري بـ "المردة" في قرية يهوسن ليس مجرد وسيلة لسقي الزرع، بل هو شاهدٌ حي على الفقه الزراعي، والتكافل الاجتماعي، والتنظيم البديع الذي جعل من هذه القرية شامة خضراء تسلب عقول الزائرين وتملأ قلوب أهلها بالفخر والخير المستدام.


زفة الماء والخضرة: جداول وسواقي قرية يهوسن العذبة

الجمال الحقيقي هو الذي يلمس الروح دون استئذان، وفي قرية يهوسن، يتجسد هذا الجمال في أبهى صوره عندما تلتقي المياه العذبة بالمسطحات الخضراء والتربة الخصبة، لترسم لوحة طبيعية تأخذك بعيداً مع صوتها الحجري الجميل.

​لحن الغدير وندى العروس

​حين تتأمل الجداول والسيول وهي تشق طريقها فوق الصخور والبطاح، تشعر وكأن المياه ترقص طرباً فوق أرض خصيبة بسيطة في طهرها، تتدفق برقة لتدغدغ جذور الحشائش الخضراء وتداعبها بحنان، كأمٍّ حنون تحتضن طفلها الصغير وتحنو عليه.

​وأن تتوسط هذا المكان الاستثنائي، فهذا يعني أنك في حضرة السعادة المطلقة؛ حيث تلفك نسيمات الماء الباردة، ويفوح الندى من حولك بعبير زكي أشبه بـ "بخور عروس في ليلة زفافها"، يغمرك بخيال جميل وينقلك إلى عالم من البهجة الطاهرة. كم أنتِ جميلة وآسرة يا قريتي الغالية يهوسن!

​السكينة في أحضان وادي يهوسن




​توثق الصورة المرفقة هذه الأجواء الساحرة؛ حيث يجلس الإنسان مستمتعاً بصفاء النفس وسط شريان المياه المتدفق، مظللاً بالخضرة الوارفة التي تحيط بالمكان من كل جانب، في مشهد يجسد عمق الراحة والنشوة التي لا يجدها المرء إلا في ربوع ريفنا الغالي.

شموخ الصخر ونقاء الفطرة: رحلة في وئام الإنسان والطبيعة في يهوسن

 

مهما أوتيت الكلمات من بلاغة، ومهما جادت الأقلام من ألوان الوصف، تظل قرية "يهوسن" أبهى وأجمل من كل ما يُقال؛ إنها أرضٌ تختزل الجمال في تفاصيلها البسيطة، ومن يزورها يدرك تماماً أن كل ما كُتب عنها ليس إلا غيضاً من فيض سحرها الحقيقي.

​تفجر الحياة من قلب الصخر الصلد

​من بين التضاريس القاسية والصخور الشديدة الصلابة في القرية، تتجلى معجزة تدفق الحياة؛ حيث ينبع ماء الأرض زلالاً، متدفقاً على مدار العام دون انقطاع. ماءٌ باردٌ، عذبٌ، نقي، يرتشف الزائر من رحيقه فلا يرتوي، ويغمره شعور بالسلام يجعله يتمنى لو أن الزمن يتوقف ليقضي يومه كاملاً في هذا المنتزه الطبيعي الساحر، متأملًا عظمة الخالق.

​ثلاثية الجمال: الإنسان، الحيوان، والطبيعة

​تتجلى في يهوسن أسمى معاني الحياة الريفية؛ حيث يمتزج الإنسان والحيوان والطبيعة في تلاحم بهيج ينبض بالخضرة والنقاء وابتسامات البراءة. هنا، يعانق حب الأرض خطوات الماشية، وتتحول رعاية الأرض إلى طقس من طقوس المحبة والوفاء.

​وتنقل لنا الصور المرفقة ذكريات لا تُنسى من هذا الفردوس الريفي:

  • شريان الحياة والعطاء (حيد المقيريطة)




  • : توثق هذه اللحظة العفوية في جوار النبع المائي المتفجر من قلب الجبل، حيث تستظل الملامح بظلال الأشجار الوارفة، ويقترب الصغار لملء أوانيهم من هذا الماء العذب الجاري بين الصخور.

  • ​براءة وضاح وحب الأرض



  • لقطة تختصر نقاء الطفولة في ريفنا الغالي؛ تظهر البطل الصغير "وضاح" يحفظه الله، يقف بابتسامته البريئة وثقته العالية متكئاً بجانب الماشية وسط المراعي الخضراء الحافلة بمحاصيل الذرة. إنها تحية إكبار لهذا الشبل وهو يخطو خطواته الأولى في حراثة الأرض ورعايتها، مسجلاً ذكريات ذهبية ستظل محفورة في وجدان القرية

إن قريتنا الحبيبة لا تمنحنا مجرد مناظر نكحل بها الأعين، بل تمنحنا دروساً في الانتماء والبركة، وتؤكد لكل زائر يقصدها أن أصالة اليمن تكمن في مثل هذه الروابي الحصينة التي يرويها غيث السماء ويسقيها عرق المخلصين من أبنائها.

عطر الريف اليمني: أيام "الجهيش" وطقوس الدفء قبل الحصاد

 

للريف في اليمن عاداته وتقاليده التي تمتزج فيها الطبيعة بالحب والعطاء، ومن أجمل هذه الطقوس الموسمية التي ينتظرها الصغير والكبير في قراينا هي أيام "الجهيش".

​والجهيش هو ذلك الوقت الساحر الذي يسبق موسم حصاد السنابل بفترة وجيزة؛ حيث تكون حبات الحبوب قريبة من النضج، غضة وممتلئة بخير الأرض. في هذه الأيام، يجتمع الأهالي لقطف تلك السنابل الخضراء الطرية، ثم وضعها مباشرة على أعواد النار والجمر في طقس احتفالي عفوي مليء بالبهجة والسرور.

​رائحة الأرض وعطر السنابل بعد المطر

​تكتمل روعة "الجهيش" وأفضل أوقاته على الإطلاق بعد هطول الأمطار وبرودة الجو؛ فحينها تبتسم الحقول وتفوح من السنابل رائحة زكية لا تشبهها رائحة أخرى.

​وعند بدء شوائها، تمتزج رائحة الدخان المتصاعد من الحطب بعطر السنابل الخضراء المحمصة، ليفوح في الأرجاء عبير ريفي ساحر يأسر القلوب. وحين يتناول الشخص تلك الحبات المشوية الدافئة، يسري في جسده شعور لا يُوصف بالدفء والأمان، يطرد عنه برودة الطقس ويملأ روحه بالسكينة.

​توثيق الطقوس: فرحة الصغار ونار العطاء

​تنقل لنا الصور المرفقة تفاصيل هذا العيد الريفي البسيط والممتد عبر الأجيال:



  •  تظهر هذه الصورة طفلة يمنية جميلة كأنها زهرة من زهور يهوسن، وهي تحمل بين يديها بحب وفخر حزم السنابل الخضراء الغضة المخصصة للجهيش، لترسم بابتسامتها البريئة لوحة حية لبشائر الخير والبركة وسعادة الأهالي بالموسم


جمر التلاحم وشواء السنابل



​ توثق الصورة الثانية الطقس الفعلي لـ "الجهيش"؛ حيث تمتد الأيدي المتآلفة حول موقد النار والجمر، لتضع السنابل وتقلبها بحرفية حتى تنضج الحبات وتكتسب ذلك الطعم المدخن الفريد الذي يجمع القلوب ويدفئ الأجساد


إن "الجهيش" هو رسالة وفاء للأرض، يعيش فيها الإنسان اليمني تفاصيل البركة خطوة بخطوة، ويحتفي برزق الله وسياج جباله الحصينة التي تجود بالخير كلما روتها سموات المطر.

عندما تبتسم الأرض: نسيمات المطر تعانق تربة يهوسن الغالية

 

هناك لحظات في الطبيعة تفوق قدرة الكلمات على الوصف، ولعل أجملها تلك اللحظة التي تولد من رحم السماء بعد طول انتظار؛ عندما تهطل الأمطار لتغسل جبال يهوسن الشامخة وتداعب نسيماتها الباردة تربتها الجميلة.

​بعد هطول المطر، تشعر وكأن الأرض بأكملها تتنفس؛ تتفتح مساماتها العتيقة، وينفرج ثغرها الجميل عن ابتسامة دافئة تستقبل بها الأهالي والزائرين. تنظر إلى الروابي والوديان الخضراء فتشاهدها تضحك ابتهاجاً بغيث السماء، وتنادي بلسان حالها كل مُحب لتأمل هذا الإبداع الرباني.

​مشاهد حية من جنة يهوسن الخضراء

​الصور واللقطات التي التقطتها عدستكم توثق هذا السحر الطبيعي الفريد الذي يملأ الروح بالسكينة والنشوة:


يظهر جريان السيول العذبة وهي تشق طريقها بسلاسة بين المدرجات الجبلية، لتروي الأرض الظمأى وتعلن بدء موسم الخير والبركة.


لقطة بديعة لقمم الجبال وهي تعانق السحاب والضباب الكثيف بعد المطر، حيث تكتسي الهضاب بثوبها الأخضر الزاهي في منظر يأسر الألباب.




إطلالة واسعة من قمم يهوسن الشاهقة تكشف عن امتداد البساط الأخضر على طول الوديان والمزارع، وتظهر البيوت المتناثرة على الحصون كأنها حارسة لهذا الجمال الخالد.




نبض الأرض وإيقاع الفرح: الرقصات الشعبية وتراث الأعراس في يهوسن

 

لكل أمة هوية، ولهوية قرية "يهوسن" طابع استثنائي يتجسد في عشق أهلها لتراثهم العريق ومحافظتهم الشديدة عليه. في أعراس هذه القرية ومناسباتها، يتنفس التراث حباً وحماساً، وتتحول الساحات إلى منارات تشع بالبهجة التي تأسر الألباب.

​رقصات تُشعل الحماس وتُهيج النفوس

​حين تبدأ الطبول بالإيقاع، وتبدأ الرقصات الشعبية المتوارثة، تشعر برغبة عارمة تجتاح جسدك لتأدية هذه الرقصات ومشاركتهم الميدان، حتى وإن لم تكن متقناً لحركاتها؛ فالطاقة الإيجابية والنشوة التي تبثها الأجواء لا يمكن مقاومتها.

​ليس البشر وحدهم من يطرب في هذه المحافل؛ بل حتى الحمام الزاجل والطيور التي تحوم في سماء يهوسن، يبدو وكأنها تنجذب لهذا اللحن الفريد، فترقص بأجنحتها في الفضاء وتشارك الأهالي مناسباتهم الجميلة في تناغم بديع بين الأرض والسماء.

​توثيق الفرحة: من ريف يهوسن إلى صالات الأعراس

​هذا التراث الرائع يكتسب روعته من نبل وكرم أهله الذين يتفننون في إمتاع وإسعاد كل من حلّ ضيفاً عليهم، باثّين في النفوس راحة ونشوة لا تُنسى. وتظهر الصور المرفقة هذا الترابط الوثيق عبر الأجيال:



تنقل لنا مشهداً عفوياً من قلب الطبيعة في القرية، حيث يجتمع الكبار والصغار في حلقة "برع" شعبية عريقة، يُلوّح فيها الراقص بجنبيته أو سلاحه برأس مرفوع، وسط نظرات الفخر والتعلم من جيل الأطفال والشباب المحيطين به.



غيث يهوسن الدائم: الأستاذ سعيد محمد عبد الهادي.. مسيرة من العطاء والإعمار

 

الرجال الصادقون هم الذين يبنون بصمت، ويتركون في حياة الناس أثراً لا ينسى وبصمات تعجز الكلمات عن ردها. وفي تاريخ قرية يهوسن، يبرز اسم الأستاذ والشيخ الفاضل: سعيد محمد عبد الهادي (حفظه الله ورعاه)، كأحد أبرز الوجوه التي ساقها الله سبحانه وتعالى لتكون سبباً في رخاء وازدهار القرية وأهلها.



​كان ولا يزال لقرية يهوسن كـ "الربيع الواعد" من فصول السنة، يحل في القلوب والأماكن فينبت مع خُطاه الخير والسعادة.

​يدٌ تبني وإرثٌ يُعمر

​لم يتوانَ الأستاذ والأب الفاضل سعيد محمد عبد الهادي يوماً عن تقديم الدعم لقرية يهوسن؛ حيث كان له الفضل—بعد الله سبحانه وتعالى—في نهضة القرية التنموية من خلال تبني وتسهيل مشروع بناء مسجد متكامل، مُلحق به خزان مياه نقي وحمامات حديثة، ليكون هذا الصرح الديني والخدمي شرياناً للحياة ومركزاً لراحة الأهالي وطمأنينتهم.

​رائد التكافل الاجتماعي وبناء الاستقرار

​لم يقتصر عطاء الأستاذ والأب سعيد محمد عبد الهادي على البناء والتشييد الفعلي فحسب، بل امتدت يده البيضاء لتلامس الجانب الإنساني والتكافلي لأهل القرية؛ فغدا ملاذاً يدخل البهجة والسرور على العائلات، وصانعاً للفرح في قلوب الشباب من خلال رعاية وتسهيل مشاريع الأعراس الجماعية التي أسست لبيوت مطمئنة وأدخلت البهجة إلى كل بيت، إلى جانب فيض عطائه المستمر في المواسم والأعياد وصناعة الفرحة التي قد يراها هو ببصيرة المتواضع شيئاً بسيطاً، لكنها في عيون أهل القرية مواقف كبرى لا تُنسى.

​لقد منح أهل القرية الكثير من المزايا بكرمه الحاتمي، وسموحته المعهودة، وتواضعه الجم الذي جعل منه أباً، وأخاً، وصديقاً، وشيخاً يُجمع على محبته الصغير والكبير.

​دعاء من القلب

​كل الشكر والتقدير لك يا أبي الغالي، ودعواتنا المخلصة تلهج بها الألسن أن يمنّ الله عليك بتمام الصحة، وموفور العافية، وأن يبارك في عمرك وعملك، ويديمك بكل الخير والسعادة يارب العالمين.

ربيع يهوسن الواعد: الشيخ خالد أحمد فارع السروري.. الراحل الحاضر في قلوبنا

​هناك رجال يمرون في تاريخ القرى والمجتمعات فيتركون خلفهم أثراً لا يمحوه غياب، وبصمات تعجز الأيام عن ردها. ومن هؤلاء العظماء الذين تفتخر بهم قرية يهوسن، وينحني التاريخ إجلالاً لعطائهم، الوالد والأستاذ الفاضل، والشيخ المربي والمصلح المجدد: خالد أحمد فارع السروري (تغمده الله بواسع رحمته وعفوه).

​كان الراحل الغالي أشبه بالربيع الواعد في فصول السنة، أينما حلّ نبت الخير، وحيثما تكلم أنصتت القلوب قبل الآذان.

​قائد الحركة الإصلاحية وتصحيح العقيدة في يهوسن

​لم يكن الشيخ خالد مجرد خطيب تقليدي، بل كان مصلحاً غيوراً على عقيدة أمته وقريته. وفي مرحلة تاريخية فارقة من تاريخ يهوسن، قاد الشيخ حركة تصحيح وعظية وفكرية شجاعة؛ حيث كان هو الشيخ الجليل الذي كسر الصوامع والقبب وهدم معالم التبرك والزيارات القديمة التي كان الناس يؤمونها قديماً تبركاً بالأموات.

​استطاع بحكمته، وحسن معشره، وقوة حجته المستمدة من القرآن والسنة، أن ينير بصائر الأهالي وينتقل بالقرية من ممارسات التبرك والتعلق بالقبور إلى رحاب التوحيد الخالص والاستقامة الفطرية الصحيحة، ليعيد لـ يهوسن وجهها الناصع المستنير.

​صوتٌ يتردد صداه في القلوب

​لقد وهب الله الشيخ خالد صوتاً ربانياً يلامس شغاف القلوب؛ فكم من خطبة هزت أركان النفوس وبدلت الأحوال، وكم من آية تلاها بعذوبة صوته الخاشع في محراب الصلاة فبكت من خشيتها أعين السامعين والمحبين. كان يشجي الأصغاء والمتابعة، ويجبر الجميع على الإنصات طواعية لحديثه الذي لا يُمل.

​"استقامة الثعالب".. من خطبه الشهيرة والمؤثرة التي صدح بها من منبر مسجد عمر بن الخطاب المركزي في تعز، والتي كشفت عن وعيه العقائدي، وعمقه الفكري في محاربة الزيف، والملق، والخداع، داعياً إلى الاستقامة الحقيقية على نهج الحق الخالص دون تلوّن.

​الأب، الأخ، والمعلم المربي

​إلى جانب مكانته العلمية والدينية كمصلح مهاب، كان الأستاذ خالد قريبًا من الصغير والكبير، حنوناً، طيباً، ومرحاً. الابتسامة لم تكن تفارق محياه، بل كانت مغروسة في شفتيه—ابتسامة براءة تعكس نقاء سريرته وصفاء قلبه.

​تميز بتواضعه الجم، وكان يجسد الحديث الشريف في حياته اليومية؛ فيحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، باذلاً كرمه وسماحته في خدمة أهل قريته ومجتمعه دون كلل أو ملل.

​إرثٌ من العطاء وصورٌ من الذاكرة

​نعرض لكم هنا صورتين تذكاريتين للشيخ الراحل؛ الأولى تبرز ملامحه الوقورة والابتسامة الراضية المطمئنة التي عهدها فيه الجميع



والثانية توثق جانباً من حياته العملية والتعليمية في مكتبه، حيث كان يقضي الساعات في توجيه الناس، والتحضير لدروسه وخطبه، محاطاً بأوراقه ومراجعه العلمية







لقد أعطى الشيخ خالد قرية يهوسن واليمن الكثير من وقته وصحته وعلمه، ومنح أهله ومحبيه مميزات لا تُحصى بكرم أخلاقه وطيب معشره، تاركاً بصمات راسخة في تصحيح العقائد وبناء العقول في كل بيت وفي كل زاوية من زوايا المسجد والقرية.

​دعاء ووفاء

​كل الشكر والتقدير والدعوات بالرحمة والمغفرة لك يا أبي الغالي ويا تاج رؤوسنا. لقد عشت كبيراً بأخلاقك وشجاعتك في قول الحق، وستظل كبيراً وموجهاً لنا في ذاكرتنا.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن قريته وأبنائه وطلابه وخلفه الموحدين خير الجزاء. دمت في حفظ الله ورعايته في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.


يهوسن الحصينة: الأهمية العسكرية عبر التاريخ وقائمة المعالم الخمسة الأثرية

 

تتميز قرية "يهوسن" بوسطية فريدة في موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتنفرد بطبيعتها الجبلية الشاهقة التي تعانق السحاب. إن هذا الارتفاع المهيب، إلى جانب انتشار آثار المساجد والقرى القديمة المتربعة على قمم جبالها، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن "قرية يهوسن" كانت محطة جذب رئيسية ومستقراً سكانياً حيوياً عبر المراحل التاريخية المختلفة؛ حيث تورد العديد من المصادر التاريخية أن هذه المساكن والحصون والقرى تمتلك تاريخاً عريقاً وموغلاً في القدم.




​أولاً: الجغرافيا العسكرية لـ يهوسن في عهد الوجود التركي

​برزت الأهمية الجغرافية والعسكرية للمنطقة بشكل جلي في عهد التواجد العسكري العثماني (التركى) في اليمن؛ حيث استفاد الجيش التركي من تحصينات المنطقة الطبيعية وموقعها المشرف خلال فترات الإعداد والتهيئة للمواجهات الحربية ضد قوات الاحتلال الإنجليزي المتمركزة في المناطق الجنوبية.

​وقد اتخذ الوجود العسكري التركي من جبال وحدود قرية يهوسن نقطة ارتكاز استراتيجية وممراً آمناً لتجميع وحشد قواته وتنظيم خطوطه الدفاعية والهجومية. ومن الدلائل البصرية على علوّ هذا الموقع الاستراتيجي وإشرافه العسكري، أن الناظر من قمم يهوسن ليلاً يستطيع أن يرى مشارف عدن، والصلو، ومطران، والسمسرة بكل وضوح وجلاء.

​ثانياً: شواهد ومعالم من أحشاء التاريخ (السجل الأثري الخماسي)

​تزخر يهوسن بالعديد من المعالم والشواهد الأثرية، البارزة منها والمخزونة في أحشائها الثرية، والتي تعكس المكانة التاريخية المتقدمة التي تبوأتها القرية في الأزمنة الغابرة. وتتمثل أهم هذه المعالم في خمسة شواهد رئيسية:

​1. الحاضرة المفقودة في "قحفة صالح"

​تحتوي قرية "قحفة صالح" على شواهد أثرية كثيرة ومتنوعة ترجع إلى الحضارة اليمنية القديمة. وقد أثبتت المكتشفات والشواهد السطحية العثور على بقايا تدل على أنه كان هناك تجمع سكاني وقرية تاريخية كبرى قامت في هذا الموضع.

​2. معالم المقبرة والضريح المسور

​يوجد في المنطقة آثار لمقبرة تاريخية قديمة، يبرز فيها معلم لقبر مسور ومحاط بالحجارة العتيقة المتقنة، ويُعتقد تاريخياً ومحلياً أنه يعود لأحد السادة الأجلاء والشخصيات المرموقة في الحضارات القديمة للمنطقة.

​3. آثار قمة جبل صالح والأقحاف (الحصن والمنارة)

​على قمم جبل صالح ومنطقة القحاف، تنتصب "المنارة البارزة" كمعلم هندسي شامخ، وتحتوي القمة على آثار لبقايا مبانٍ عتيقة، وأسوار دفاعية محكمة، ومدافن أرضية مخفية لحفظ الحبوب، وبرك مائية صخرية لحفظ مياه الأمطار، مما يدل على نظام عيش متكامل وحصين.

​4. مسجد المعشر والطراز المعماري البديع

​تضم القرية مساجد تاريخية بنيت وفق طراز معماري يمني بديع وفريد، يعود تاريخها إلى أزمنة موغلة في القدم وتتحدى عوادي الزمن، وفي مقدمة هذه الدور الدينية "مسجد المعشر" بطابعه الهندسي الاستثنائي الذي يعكس أصالة الفن الإسلامي القديم.

​5. القباب والمزارات (ملتقى التصوف)

​تنتشر في أرجاء المنطقة الكثير من المزارات والقباب الأثرية العتيقة، والتي كان يؤمها ويقصدها أبناء قرية يهوسن وأبناء المناطق والقرى المجاورة على حد سواء، مما يقدم دليلاً تاريخياً قاطعاً على أن يهوسن شهدت حركة فكرية وفقهية مزدهرة، وكانت مركزاً نشطاً من مراكز التصوف في بلاد الحجرية وتعز.

ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف

  أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع...