يهوسن: لوحة ربانية حفر الأجداد أسرارها في باطن الأرض
من هذا المنظر الرائع والجميل، تتجلى أمام ناظريك لوحة فنية بديعة تأخذ العقل بسحرها، وتهز الوجدان بهدوء طبيعتها العذراء. إنها مناجاة صامتة تناديك أيها الزائر بكل لطف، وتستقبلك بترحاب عذب ينبع من نقاء هذه الأرض. صمتٌ مهيب يجسد الجمال والروعة، ويعانق الدور والبيوت وضواحيها الممتدة على قمم الجبال.
الناظر إلى هذه القرية من بعيد، يجد فيها شيئاً فريداً يبعث على الدهشة، ويتساءل متعجباً من بعُد مسافتها وعلوّ مكانها: "لماذا اختار (السروري) الاستقرار هنا وتشييد موطنه في هذا المرتفع البعيد؟"
لكن، ما إن تطأ قدماك مشارف القرية وتصل إليها، حتى يزول العجب ويحل محله الذهول!
هندسة الأجداد: سر "السقاية" وعين الماء المدفونة
تستقبلك على عتبات القرية المعالم الأثرية الشامخة، حيث يلوح في الأفق مسجد المنارة الأثري وبجانبه معجزة هندسية فريدة تُعرف بـ "السقاية".
السقاية هي عبارة عن عين ماء عذبة صافية نبعت من باطن الأرض، ولكي يحافظ الأجداد عليها، شقوا لها نفقاً وجسراً ممتداً تحت الأرض بطول يقارب الخمسين قدماً، في عبقرية هندسية يمنية قديمة توفر الحماية والنقاء للمياه المتدفقة.
تصب هذه العين في حوض حجري محكم يشبه البركة المغلقة يُطلق عليه محلياً اسم "الكنية"، وهي بناية متقنة معمورة بالطين والنورة والأسمنت، تشكل البوابة المائية والمستقبل الأول لزوار القرية. من هذه السقاية العتيقة، يرتوي أبناء قرية يهوسن، ومنها يستمدون مياههم للطهي والزراعة، وإليها ترد الماشية لتشرب من عذب مائها.
ولم تتوقف عبقرية التوزيع المائي عند هذا الحد؛ بل يمتد من "الكنية" مجرىً دقيق يسوق الماء بانسيابية حتى يصل إلى بركة جامع القرية القديم القابع في واديها ووسط دورها.
ذاكرة الطفولة: ضريح الشيخ عمر السروري وتحولات المعتقد
تحتفظ القرية في وجدانها الثقافي بمعالم ارتبطت بحركة التصوف القديمة في المنطقة، ومن أبرزها ضريح وقبر الشيخ عمر السروري.
ويسترجع الكاتب من مواليد عام 1982م ذكريات طفولته الغامرة في أنحاء القرية قائلاً:
"في طفولتي، كنت أشاهد الأهالي والزوار يؤمون هذا القبر الشريف ويتبركون به، حيث كانوا يقدمون النذور ويشعلون الشموع داخل التجويف القائم فوق سطح الأرض. وكان بعضهم يمسح المكان بسمن الأبقار، مدفوعين باعتقادات فطرية قديمة وظنون تزعم أن للمكان قدرة على حماية الأبقار والأولاد، وشفاء المرضى."
ومع مرور الزمن وتغير الوعي الثقافي والديني في المنطقة، تم هدم الصوامع والقباب التي كانت تزين القبر، تماشياً مع تصحيح المعتقدات الدينية وإبطال تلك الممارسات الافتراضية، ليبقى القبر شاهداً تاريخياً مجرداً على مرحلة هامة من تاريخ التصوف في ذبحان.
الحدود الجغرافية لقرية يهوسن: حارسة ذبحان الشمالية
تكتسب يهوسن أهمية استراتيجية بالغة كونها تمثل آخر الحدود الشمالية لمنطقة ذبحان، حيث تحيط بها القرى والوديان كالسوار بالمِعصم:
- من الشمال: تطل مباشرة على منطقة قدس العريقة ووادي الأشروح الخصيب.
- من الشرق: تحاذيها قرية عهدة.
- من الغرب: تكتنفها قرية السلم.
- من الجنوب: تحرسها قرية الصردف وامتداد أراضي ذبحان بمحافظة تعز.

تعليقات
إرسال تعليق