السلطان الزاهد والجد الجامع: السيرة الكاملة للشيخ "أبي الأسرار" السروري وتاريخ موطنه الأول
في تاريخ الشعوب والقبائل، تظل هناك شخصيات استثنائية تصنع بجهدها وعلمها هويّة أمة بأكملها. ومن هذه الشخصيات الفذة، يبرز جد قبيلة السروري ومؤسس نهضتها الروحية: العالم الجليل السيد علي بن إبراهيم (أبو الأسرار).
اليوم، نميط اللثام عن سيرته التاريخية الكاملة الموثقة في أمهات كتب التاريخ اليمني، ممتزجةً بذريته الممتدة، وبصمته الجينية الأصيلة التي تعيد رسم خارطة الاستقرار لآل السروري من ثغور الصبيحة وباب المندب حتى قمم قرية يهوسن في ذبحان.
أولاً: الرحلة من البصرة إلى جبل حواب: سيرة ممتدة لـ 142 عاماً
ولد الشيخ علي بن إبراهيم أبو الأسرار في عام 536 هـ تقريباً، وتشير الروايات التاريخية إلى أن والده كان قائداً بارزاً في الجيش الأيوبي الذي حكم اليمن. ورغم نشأته في بيت جاهٍ وقوة، إلا أن البصرة لم تكن مستقره؛ إذ كان زاهداً يكره الترف والغنى ولا يميل إلى الجاه والمال.
أربعون عاماً في "جبا": ترك بلاده واستقر في مدينة (جبا)، حيث أقام فيها أربعين عاماً مكباً على العلم، مجتهداً في القرآن وعلومه، ومصنفاً في علوم الفقه والنحو والصرف والسيرة.
الهجرة واللقاء التاريخي: رحل يبحث عن مكان خالٍ يتعبد فيه بعيداً عن أطماع الدنيا، فحطت به الرحال في جبل (نمان)، وهناك التقى بالقطبين الصوفيين الشهيرين: الشيخ أحمد بن علوان والشيخ عمر بن محمد الطيار.
كرامة جبل حواب: تروي أدبيات التاريخ والتصوف مساجلة رمزية بينهم حول من يسكن جبل حواب؛ حيث أظهر ابن علوان ثعباناً، وأظهر الطيار حمامة، بينما أظهر الشيخ علي السروري طائراً يسمى (مقيبل) اصطاد الحمامة والثعبان، فتوادعوا بحرارة، واستقر أبو الأسرار شرق جبل حواب (منطقة المحاولة)، وتزوج هناك وعاش بقية حياته متنقلاً في العبادة؛ إذ ترك خلفه 360 مصلى في جبل حواب تشهد على زهده وتعبده حتى وفاته يوم الخميس 15 ربيع الثاني 678 هـ عن عمر ناهز 142 سنة.
وقد وثق كراماته وسيرته جهابذة المؤرخين؛ ومنهم المؤرخ الجندي في كتابه الشهير (السلوك الجامع لطائفة الملوك)، وتلميذه رضي الدين الفقيه أبو بكر، والشيخ عبد الرحمن بن سفيان، والفقيه علي بن علوي، والذين أجمعوا بلا شك على مكانته الشريفة وعلمه الموسوعي.
ثانياً: شجرة الذرية.. أولاد أبي الأسرار الاثني عشر وانتقالهم إلى ذبحان
أعقب الشيخ علي بن إبراهيم (أبو الأسرار) 12 ولداً، شكلوا بانتشارهم النواة الأساسية لقبائل آل السروري في عموم جنوب شبه الجزيرة العربية وتعز، وهم:
عبد الله: سكن قرية القاضي.
حسن: سكن القبيطة.
إبراهيم: سكن قرية التربة (الحاضرة التي دُفن فيها والده).
إسماعيل: لم يُحدد سكنه بدقة.
سعيد: سكن ثغر باب المندب.
عطية: سكن منطقة ملبية.
محمد: سكن منطقة ملبية.
يحيى: سكن الحنيف (مقابل قرية التربة).
سليمان: لم يُحدد سكنه بدقة.
معمر | 11. عمران | 12. رشيد (وانتشرت ذريتهم صعوداً في شمال اليمن وتعز).
ومن هذه الفروع المباركة، استقر فرع أصيل وحصين في قرية يهوسن ليمثل خط الدفاع الأخير وأقصى حدود بلاد ذبحان شمالاً، محتفظين باللقب والولاية وإرث الأجداد.
ثالثاً: التطابق الجيني والتاريخي لأبناء يهوسن
هذه السيرة المكتوبة الممتدة من جبال الصبيحة وباب المندب إلى الحجرية وتعز، تتطابق بشكل مذهل مع نتائج الحمض النووي (DNA) لآل السروري في يهوسن (العينة رقم 71373 في YSEQ).
إن خروج العينة على السلالة العربية الأصيلة J1 وتحت التحور FGC3723 المتسلسل من FGC1723 يثبت علمياً أن هذه السلالة هي التكتل القبلي اليماني العريق المستوطن في جنوب الجزيرة العربية منذ آلاف السنين. وشرف الأنساب هنا يلتقي فيه نقاء الدم العربي اليماني القديم مع شرف العلم والمشيخة الروحية والجهاد التي حملها جدهم الأعلى الشيخ علي أبو الأسرار.
رابعاً: معالم "تربة أبي الأسرار".. حاضرة العلم والسياسة
تأسس جامع أبي الأسرار عام 811 هـ، ليكون منارة معمارية فريدة تتكون من سبع قباب، وتتصل به قبة كبرى تضم ضريح الجد علي بن إبراهيم، ومقصورة مزدوجة القباب كانت رباطاً علمياً نهارياً ومنتدىً لإحياء ليالي رمضان. يحيط بالجامع نظام مائي بديع يتكون من خمسة صهاريج ضخمة مقسمة للاستخدامات (للكبار، للصغار، للحيوانات، وللاستشفاء)، ومحاط بسور (درب) مساحته 1800 متر مربع يفتح على خمسة أبواب استراتيجية.
1. دار الهجرة.. الضمان الاجتماعي القديم
اشتهرت القرية بوجود "دار الهجرة"، وهي مؤسسة تكافلية تاريخية كفلت الأيتام، ورعت المعاقين والعجزة، واستقبلت المهاجرين والفقراء القادمين من مناطق الحجرية والعدين البعيدة.
2. حاضرة التعليم ومجلس السلم
كانت التربة قبلة لطلاب العلم من طور الباحة، وحوطة لحج، وتيجان تعز، يدرسون على يد أساطين الفقه مثل الشيخ أحمد الخليل (من زبيد) والشيخ عبد الله مطهر (من صنعاء)، وامتد هذا الإرث حتى تأسست فيها أول مدرسة حكومية ابتدائية عام 1958م، زارها كبار مديري المعارف البريطانيين مثل (المستر هيتين). كما احتضنت التربة "مجلس السلم" الذي تولى فض النزاعات الكبرى والحروب القبلية في الصبيحة وطور الباحة بموجب وثائق ومعاهدات تاريخية نادرة.
3. مزار الملوك والسلاطين
نظراً لمكانتها، كانت مزاراً للملوك والأمراء؛ بدءاً من الملك المسعود الرسولي (آخر ملوك بني رسول في عدن)، وصولاً إلى سلطان لحج العبدلي السلطان علي عبد الكريم الذي زارها عام 1957م، وحظي باستقبال ملكي نُحرت فيه عشرات العجول والخراف من مشارف أرض (الصلايب) حتى عتبات دار الهجرة.
ختاماً: صرخة من أجل إنقاذ تاريخ يحتضر
يتفطر القلب ألماً وحسرة حين نرى هذا المعلم الأثري العظيم—الذي يمثل الشامة الموضوعة على خد المضاربة وتاريخ قبيلة السروري—وهو يواجه اليوم التشققات، وتتساقط أحجار أسواره ليلفظ أنفاسه الأخيرة على شفا حفرة من الاندثار.
هذا المسجد الذي امتلك يوماً أوقافاً تغطي ساحة المديرية بأكملها، سُلبت منه في ليالٍ رمادية غابرة. إننا من خلال هذه المدونة نرفع الصوت عالياً، ونوجه التساؤل لجهات الاختصاص والضمائر الحية وأبناء القبيلة في كل مكان: أركان تاريخنا تئن وتصرخ فهل من مجيب؟ متى يستيقظ المعنيون لإنقاذ تربة أبي الأسرار ومسجد المنارة في يهوسن قبل أن يطويهما النسيان؟


.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق