أقسام المدونة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تراث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تراث. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 يونيو 2026

ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف

 

أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع وقت العمل، بل كانت "موجزاً أنبائياً" مصاغاً بالشجن والأنفة، يسرد تفاصيل الاغتراب القسري للأزواج، ويصف كفاح الصبا، ويرسم بجرأة عفوية طهر الحب، ومكابدة العيش شح المياه.

​وفي هذه القراءة التوثيقية، نُبحر في أعماق هذه الترانيم مع تفكيك معانيها البليغة:





​1. ثورة العُمر الضائع: عتاب لاهب لعواصم الاغتراب

​حين يطول غياب الزوج المغترب، ترفض المرأة الريفية أن تُختزل حياتها في أموال أو هدايا تُرسل عبر المسافات. إنها تطلقها صرخةً عالية مدوية: «مشتيش ثياب ولا فلوس ربابي» (لا أريد ثياباً ولا أموالاً)، فـ «ما هوش بهجرك يوم من شبابي» (ما الفائدة من هذا الهجر الذي يسرق أيام صباي؟).

​وتتحسر بمرارة على سنين عُمرها التي «جزع» (مرت وانقضت) في مجرد انتظار الرسائل، قائلةً بأسى يذيب القلوب:

غبني على عمري جزع رسايل

شيبتني وانا وليد جاهل


(وتعني بـ "وليد جاهل" أنها كانت لا تزال صغيرة غرة، فضاع شبابها في الانتظار).

​ثم تلتفت بنقدها الساخر واللاذع نحو عادات الاغتراب في "الرياض"، واصفةً المفارقة المؤلمة التي يعيشها الأزواج:

أهل الرياض شهرين يعطروهن

وأربع سنين للجن يهجروهن


​2. كبرياء الريفية: صدري "مرعى خصب" أو "طريق صنعاء"

​تتجلى أنفة المرأة وعزة نفسها في هذه الربوع؛ فهي تفتح قلبها لمن تحب وتجعله كـ «الحشيش والمرعى» (العشب الأخضر والروض الخصيب)، لكنها تضع كرامتها فوق كل اعتبار، فإما وفاء وحب مستحق، وإلا فالفراق العاجل:

فتحت لك صدري حشيش ومرعى

إن أعجبك والا طريق صنعاء

فتحت لك صدري تدخل تشوفه

تقراء شرف الحب على حروفه


​وحين يصفو الهوى، يتدفق شجناً غزلياً عذباً يفيض بالجرأة البريئة والتمني بقرب الدار:

يا ليتنا جارك أو بجنب دارك

شاقفز إلى صدرك وأقد زرارك


(وكلمة "شاقفز" هنا تعني: سوف أتلقف وأتسلق إليك بشوق جارف).

​3. لوعة الخوف والارتباك: إشاعات العواذل ومرور الحبيب الـ "مجمش"

​تستمر الترنيمة في تصوير القلق النفسي الشديد الذي تعيشه المرأة بسبب إشاعات الناس ومحاولات إخافتها على حبيبها («يفجعوني» أي يخوفوني)، حتى يختل توازن تفكيرها ومرادها («حسي ارتبش وخاطري تغشوش» أي تخربط عقلي وارتبك خاطري)، وتحديداً حين يمر بجانبها الحبيب وهو «مجمش» (أي متخفٍ ومغطى بالحجاب) فلا تكاد تتبينه:

سميتني لك سم حار قاطع .. ليله تموت وليلتين تنازع

فك اللثام تحت اللثام مبسم .. مثل السيوف بالحرب يقطروا دم

سبايبك يالخل شقتلوني .. هل من صحيح والا يفجعوني

حسي ارتبش وخاطري تغشوش .. لما جزع جمبي الحبيب مجمش

مطر غزير والشمس لا عيوني .. خلي بخير والناس يفجعوني


(تقول في المقطع الأخير: رغم أن المطر ينهمر بغزارة والشمس تضرب عيوني، ورغم تهويل الناس وإخافتهم لي، إلا أن قلبي يحدثني أن خلي بخير).

​4. في السايلة ورعي الغنم: سيرة الطيور ومكابدة الجفاف

​لا تغيب تفاصيل العمل اليومي الشاق عن هذه الأغاني؛ فحين تنذر السماء بالبرق والرعد، تتنادى الراعيات قائلات: «شنجلس» (سوف نرتاح) لأن الوقت لا يزال «مغلس» (أي باكراً في أول الصباح أو أول الليل):

وراعيه ردي الغنم شنجلس

سيدي الكريم عاد راعده مغلس


​وفي مشهد بليغ آخر، ترسم الترنيمة صورة فتاتين «بالسايلة يسيرين» (يمشين في مجرى مياه السيول والأمطار)، وهن يبحثن ويدققن النظر في الأرض بحثاً عن «ريش الجرع شطيرين»؛ و"الجرع" هو طائر بري شهير يشبه الدجاج، تبحث الفتيات عن ريشه الخفيف والجميل كرمز للأمل والرغبة في الطيران والتحليق بعيداً عن أثقال الواقع:

ثنتين بنات بالسايله يسيرين

يدورين ريش الجرع شطيرين


​ثم تصل الترنيمة إلى ذروة البلاغة التوثيقية والاجتماعية عند وصف شح المياه وجفافها («الماء نزاف» أي شحيح جاف يوشك على النفاد)، حيث يجتمع الأهالي لاقتسام ما تبقى من ماء المطر المحفوظ في «الأكراف» (وهي السدود أو الحواجز المائية التقليدية الحجرية)، فلا يغرفون بالأواني بل يتقاسمونه شحيحاً براحة أكفهم! وهنا تظهر معادن الناس وتمايز طبائعهم في الأزمات:

الماء نزاف يتقا سموه بالاكراف

الجيدة يغرف والذليل يختاف


(إنها صورة تعبيرية مبهرة: فالمرأة «الجيدة» أي الأصيلة الشجاعة تتقدم بثبات لتغرف نصيبها بأنفة، بينما الشخص «الذليل» الجبان يتراجع للخلف ويأخذ نصيبه بذعر وخوف «يختاف»).

​إن هذه الأهازيج الشعبية والترانيم النسوية العفوية هي التوثيق الحي الحقيقي لتاريخ قرية يهوسن؛ طُبعت بدموع الأمهات، وعزة نفس الفتيات، وصمود الراعيات، لتظل نبراساً يحفظ هويتنا الحجرية الأصيلة للأجيال القادمة

#تراث_يمني #الحجرية #يهوسن #تعز #اليمن #ذبحان

#مهاجل_يمنية #أدب_شعبي #المرأة_الريفية #أغاني_الحصاد #مطبخ_العائلة_السهل


أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن

 

إن القيمة الجمالية للمهاجل الزراعية في قرية يهوسن وعزل بلاد الحجرية لا تأتي من كونها إرثاً متوارثاً وحسب، بل لأنها مرآة صادقة تنبض بأجواء كل فصل وموسم؛ فكل تفصيل في الحياة اليومية له أهزوجته الخاصة. وإذا كان الرجال يصدحون خلف المحراث، فإن للمرأة الريفية سيمفونيتها الراسخة في الأذهان، والتي ترافقها في أصعب لحظات عملها: من رعي الأغنام والاحتطاب، إلى زفرات الشوق خلف المغتربين، وصولاً إلى طحن الحبوب خلف الرحى التقليدية.





​1. أهازيج الاحتطاب والرعي: خضرة الوديان ودموع الأحباب

​أثناء خروج المرأة الريفية في أوقات رعي الأغنام أو عند الاحتطاب وتقليم الأشجار لتجميع حطب الموقد تحت زخات المطر، تتمازج أصواتها العذبة مع الطبيعة الخضراء لتردد واحدة من أكثر الأغاني الشعبية رسوخاً وشجناً، مستحضرةً "وادي الضباب" الشهير:

وادي الضباب ماءك غزير سكاب

نصه مطر.. ونصه دموع الاحباب


​2. لوعة الفراق والأسى: بواكي المغتربين في ليالي السهر

​ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه التضاريس، فقد كانت المرأة الريفية في يهوسن وذبحان هي الحارس الوفي لانتظار الغائبين. ومن بين جدران البيوت الحجرية، تصعد زفرات الشوق الحارقة في مهاجل الاغتراب، تنديداً بالمسافات وتأكيداً على حنين الذكريات:

غائب سنين.. قالوا السنة وصوله

الله يصيب من كان سبب رحيله

كم اذكره في سهرته ومقيله

يوم السفر كان الهوى دليله


​وحين تعجز الرسائل عن الوصول خلف البحار، تلجأ المرأة إلى الطيور المحلقة في السماء، لتستحلفها أمانةً بأن تحمل أشواقها وتأتيها بلمحة خبر عن الحبيب:

بالله عليك يا طير يا معلي.. إن كان ترى خلي.. أمانتك تقلي

شاحملك شوقي إليه وحسي.. بالله عليك يا طير أمانتك لا تنسي


​3. أهازيج الرحى والمطاحن: دُعابة الصبا والبحث عن "حصاد الستر"

​حين تجلس المرأة الريفية وراء "الرحاء التقليدية" لطحن الحبوب، تخلط تعب الجسد بالدُعابة العفوية التي تضج بالأنوثة والحياء. فتحت وطأة الطحن، تلتفت الفتاة إلى أخيها الصغير لتجعله حكماً ورسولاً بينها وبين أبيها (شعدلك على أبي أي: أنت الـحَكَم بيني وبينه)، طالبةً منه بجرأة ريفية محببة أن يزوجها بدلاً من المماطلة والانتظار، مشبّهةً نفسها بالذرة البيضاء الناضجة في موسم الصراب (خيار صرابي)؛ في كناية بليغة بأن قطافها قد حان وأنه قد آن وقت زواجها:

يا أخي الصغير .. شعدلك على ابي

قله يزوجني.. ومو يشابي

كعوب صدري .. حرقوا ثيابي

وجهي ذرة بيضاء .. خيار صرابي


​إن هذه المهاجل النسوية المتوارثة في قرية يهوسن تثبت أن المرأة لم تكن مجرد شريكة كفاح في الحقل والمنزل فحسب، بل كانت وما زالت شاعرة الأرض وقيثارة الشجن التي حوّلت المشاق اليومية من رعي واحتطاب وطحن إلى أغانٍ خالدة تُخلّد كبرياء المجتمع الريفي وأصالته المتمسكة بالقيم العربية العريقة.


#تراث_يمني #الحجرية #يهوسن #تعز #اليمن #ذبحان


#مهاجل_يمنية #أدب_شعبي #المرأة_الريفية #أغاني_الحصاد #مطبخ_العائلة_السهل

أصالة المدرج: طقوس زينة الأثوار وحكمة الفلاح في مواجهة "الهجاري"

 

​مع إشراقة الموسم الزراعي المبكر في قرية يهوسن وبلاد الحجرية، لا تنشط أسواق الأدوات التقليدية فحسب، بل تتجه أنظار الفلاحين نحو أسواق البقر لشراء الثيران القوية؛ حيث ترتفع بورصة أسعارها لتصل حدود 200 ألف ريال للثور الواحد. وهناك، في تفاصيل رعاية هذه الأنعام، تتجلى طقوس من المحبة والوفاء لا يعرفها إلا أبناء الأرض.

​طقوس الفجر: السمن البلدي وزينة "التشقير" العطرية




​يستذكر الحاج قائد سيف ملامح من الماضي الجميل الذي يفيض بحسن المعاملة والتدليل لشركاء الأرض؛ فمع حلول موسم بذر الحبوب («الذري»)، يبكر الفلاحون فجراً لإخراج الأثوار من الحظيرة لتتشمس في هدوء الصباح، ثم يقومون بغسلها بالماء النقي وتقديم الأعلاف والماء لها.

​وبعدئذٍ، تأتي طقوس التزيين الفريدة؛ حيث يُرش ظهر الثور ورأسه بـ السمن البلدي ويُمسح به جيداً، ليعقب ذلك طقس «التشقير»؛ والتشقير في عرفنا هو جمع باقة من أجمل الأعشاب العطرية المتوفرة في وادي القرية—مثل الريحان (الشور) والزعفران وغيرهما—ثم صرّها وتربيطها بعناية على رأس الثور ليفوح عطراً، وينطلق نحو «الحول» بكل نشاط وحيوية مقبلاً على الميدان. وهنا يصدح الفلاح زاملاً بفخر:

لاتبيع الثور ... إلا بعد الشور

لاتبيع ثوره .. إلا بعد شوره

ثوري عاطش ماء .. ثوري غبان

ثوري من شرعب .. والخيول تلعب

وسط ميدان .. هجده والبيرين سوقهم ثاني


​هندسة الأعمار: حكمة "الجُبار" وعذر "الأعجال"

​يمتلك المزارع في يهوسن خبرة فطرية في تصنيف الثيران وحساب قوتها ومدى تحملها، ويطلق على الثورين معاً اسم «الضَّمْد».

  • الضَّمْد «الجُبار» (جمع جابر): هي الثيران المسنة الخبيرة التي "خسرت أسنانها" (أي قلعتها وأكملت تبديلها)؛ فهذه الثيران تمتلك جلداً وقوة فائقة على الحراثة ومواصلة العمل دون تعب تحت لهيب الشمس وحتى مغيب الشمس، ولذا يقترن بها المثل القائل: «ماصاحب الجُبار حيث ما اشتهى قيل»—ومعناه أن صاحبها يرتاح متى ما أراد («قيل» أي أخذ قيلولة) لأنه مطمئن لقوة ثيرانه وجسارتها.
  • الضَّمْد «الأعجال» (الجذوع): هي الثيران شابة العمر الصغيرة التي لم تخسر من أسنانها شيئاً بعد؛ ولأنها تفتقر للخبرة والتمرس، فإنها تتعب سريعاً وقت الظهيرة وتحاول الهروب نحو ظلال الأشجار للاستظلال من حر الشمس الشديدة، ويعذرها الفلاح لقلة حيلتها كما يقول المثل: «أما صاحب الأعجال تحت الشجيره أعذر»؛ لأنه يضطر لأخذ قسط من الراحة معها ولا يستطيع مواصلة العمل الشاق.

​صمود الهجاري: حوار "الرعوي" و"البتول" خلف النبال

​في ذروة حرارة الشمس الحارقة (وقت الهجاري)، يشتعل الحماس في المدرجات؛ حيث يلتفت «الرعوي» (وهو صاحب الأرض) مخابطاً «البتول» (وهو الحارث المحترف وصاحب الأثوار)، طالباً منه ألا يتراجع أمام القيظ، بل أن يتحين وقت الظهيرة ويضغط بقدمه بثقل فوق «النبال» (المحراث)، في إشارة إلى ثقته المطلقة بقوة ثيران "الجبار" وتحملها الشديد:

كم وقت الهجاري ... إدعس عالنبالي


​وإستجابةً لهذا النداء، يواصل البتول كفاحه متمسكاً بمحراثه حتى وقت العصر، ملتفتاً إلى ثيرانه («الضميدة») ليناجيها بصوت حانٍ يقطر حباً وشجناً، طالباً منها ألا تفك نير الحراثة إلا مع اقتراب غروب الشمس، داعياً لها بالسلامة من ضربات السوط والجهد:

ألا ياذي الضُميدة ... راعيك أوصاني

لافُك ولاقيل ... إلا عصر داني

ألا ياسين عليكم ... والملاح من الموت

من شلة العيدان .... ومن ضربة السوط


​سيمفونية الفلاح: من طرب المحراث إلى شجن الاغتراب

​تستمر الأغنية الشعبية في مرافقة الفلاح خلف محراثه؛ فحين يشق الأرض يغني بأصواته الشجية مستعذباً طعم الماء البارد بعد العطش والجهد:

وارشا وبارديه = شرية البارد هنيه

وارد الماء وارديه = ياحلا ووارديه


​ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه البلاد، فإن هذه الكلمات والأهازيج الزراعية تهاجر معهم في الغربة، لتتحول في لياليهم الباردة خلف الحدود إلى لوعة حنين وشوق جارف لمدرجات قرية يهوسن وأيام حراثتها:

الليل أهيم والصبح أدقدق أسلاك .. ويوم ثاني وسوسة وشكاك

ثالوث الأرض المقدس: الفلاح والثور والمحراث.. وسيمفونية الكفاح في ربا يهوسن

 

لا يمكن لمن يتأمل مدرجات قرية يهوسن وربا الحجرية الخصيبة أن يخطئ ذلك الرابط الوجداني العجيب الذي يجمع بين الفلاح، وثوره، ومحراثه، وفي قلب هذا المشهد التجلي الأسمى لكفاح المرأة الريفية الفاضلة. إنها ليست مجرد علاقة عمل عابرة، بل هي "علاقة ارتباطية" تفيض بالعشق، والولع، والشجن؛ صاغها الإنسان الريفي في أهازيج ومهاجل وزوامل تُعد من أثمن كنوز الفلكلور الشعبي الذي يوثق تلاحم البتول مع أرضه وشريكة كفاحه وأدواته.

​"المَهرَد": طهر المرأة الريفية وأيقونة الجمال الكادح في الحقول

​في غمرة العمل والمشقة بالمدرجات الزراعية، تبرز صورة «المَهرَد» كأيقونة فريدة تعكس عظمة المرأة الريفية؛ والمَهرَد هي المرأة الأصيلة التي تضع على وجهها مسحوقاً تقليدياً أصفر اللون يُسمى «العُصفر»، حيث يُطحن ويُخلط مع قليل من الماء ثم يُمسح به الوجه ليمنحه صبغة صفراء تشبه لون الكركم. وفي الأيام التي لا يتوفر فيها العُصفر، تستعيض عنه بـ «الهُرد» (الكركم الحجري).

​ولا تقف هذه المادة كزينة وجمال فحسب، بل إن لها وظيفة علمية هامة؛ إذ تعمل كواقي طبيعي يحمي بشرة المرأة من أشعة الشمس القاسية والشديدة وتعمل على ترطيبها أثناء قضائها ساعات طويلة في الحقول، إلى جانب ما تضفيه من منظر جمالي مشرق للوجه. ومن هنا جاء المهجل الصباحي ليحيي همة هذه المرأة الكادحة وهي تشق وتصرب أعالي "الجِرب" (الأراضي الزراعية):

لانت مرادك بالمهرد.. أحرث أروان الجِرب


​الولع بالثيران: تدليل الأثوار وأوصافها في الذاكرة الشعبية

​إلى جانب تحية المرأة الريفية، يصل ارتباط الفلاح بثوره إلى حد المفاخرة والعشق؛ حيث يتغنى بخصاله ويضمنه في مهاجل الزراع وزوامل الرعية بأوصاف تبرز ذكاءه وقوته. فتجده يتغنى بـ «الأشعب» المحمي بـ «المفدم»—وهو غطاء تقليدي يُصنع بعناية من سعف النخيل (الخزف) ويُوضع على فم الثور لمنعه من أكل المحاصيل والزرع أثناء الحرث:

وقلبي يحب الثور الأشعب.. والمفدم لاحزب


​كما يعشق الفلاح الضمد «الرجوع»—وهي الثيران "المربعة" حسب لغة الفلاحين، أي التي خَسرت أربعاً من أسنانها؛ ويميزها الفلاح لأنها باتت خبيرة بالأرض وتعرف مسار الحراثة بدقة وعفوية دون أي تعرج أو إعاقة، ولا تحتاج معها من البتول زجراً أو قولة "ارجع":

أنا قلبي مولع.. بالضُميد الرجوع

لاتقبل الموهر.. ولاقولة ارجع

واضميد جودي.. الحديد ينحل.. وأنت للمزيدِ





قبيلة السروري في يهوسن: أصالة النسب والتاريخ الموثق بالجينات والحمض النووي

 

تعد قرية "يهوسن" التاريخية القابعة في قمم منطقة ذبحان بمديرية الشمايتين (تعز) الموطن والمنبع الأصيل لـ قبيلة السروري، وهي القبيلة التي ارتبط اسمها بحراسة الحدود الشمالية لذبحان وسفوح جبالها. ولأن التاريخ كثيراً ما يشهد تشابهاً وتداخلاً في الألقاب بين بطون العرب، فقد كان لزاماً الاستناد إلى العلم الحديث لفك هذا الغموض ورسم المشجرة الحقيقية والصلبة لأبناء هذه القرية العريقة.

​تشابه الألقاب وتمايز الأنساب في الموروث التاريخي

​تذكر المصادر والمصنفات التاريخية أن لقب "السروري" أو "آل سرور" تتقاسمه عدة فروع في الجزيرة العربية واليمن؛ فهناك "الأشراف ذوو سرور" المستوطنون في مكة المكرمة وال حُسينية ووادي السعدية (ميقات أهل اليمن)، وهناك بطون أخرى تحمل ذات اللقب تلتقي في الاسم وتختلف في النسب والموقع الجغرافي، وينتشرون في مناطق متعددة من اليمن والمغرب وجنوب المملكة العربية السعودية.

​وهنا يبرز التساؤل التاريخي: أين يقع نسب آل السروري في قرية يهوسن بذبحان وسط هذه التفرعات؟

​علم الجينات يقطع الشك باليقين: النتيجة الرسمية لآل السروري (يهوسن)

​لم يعد البحث في الأنساب معتمداً على المرويات الشفوية فحسب، بل تدخل علم الحمض النووي (DNA) ليضع النقاط على الحروف ويمنح قبيلة السروري في يهوسن وثيقة جينية قطعية تثبت جذورهم التاريخية في أرض اليمن.

​وفقاً للفحوصات المخبرية الجينية الموثقة، فقد ظهرت نتائج العينة رقم 71373 المرفوعة في شركة YSEQ العالمية لـ (السروري - يهوسن - ذبحان - الشمايتين - تعز) لتكشف عن الحقائق العلمية التالية:





​السلالة الأم المؤكدة: تنتمي العينة رسمياً إلى السلالة العربية الأصيلة J1 (Haplogroup J-M267)، وهي السلالة التي يتركز عليها عموم القبائل العربية العريقة في الجزيرة العربية.

​التحور الفرعي المرجح: وقعت العينة تحت التحور FGC3723، ويُرجح علمياً أن تكون أسفل أحد التحورات المتسلسلة من التحور FGC1723.



 

​نقاء النسب الموثق علمياً: عبر البصمة الوراثية والحمض النووي (J1-FGC3723) الذي يقطع كل لبس.


يهوسن: لوحة ربانية حفر الأجداد أسرارها في باطن الأرض

 

من هذا المنظر الرائع والجميل، تتجلى أمام ناظريك لوحة فنية بديعة تأخذ العقل بسحرها، وتهز الوجدان بهدوء طبيعتها العذراء. إنها مناجاة صامتة تناديك أيها الزائر بكل لطف، وتستقبلك بترحاب عذب ينبع من نقاء هذه الأرض. صمتٌ مهيب يجسد الجمال والروعة، ويعانق الدور والبيوت وضواحيها الممتدة على قمم الجبال.

​الناظر إلى هذه القرية من بعيد، يجد فيها شيئاً فريداً يبعث على الدهشة، ويتساءل متعجباً من بعُد مسافتها وعلوّ مكانها: "لماذا اختار (السروري) الاستقرار هنا وتشييد موطنه في هذا المرتفع البعيد؟"

​لكن، ما إن تطأ قدماك مشارف القرية وتصل إليها، حتى يزول العجب ويحل محله الذهول!

​هندسة الأجداد: سر "السقاية" وعين الماء المدفونة




​تستقبلك على عتبات القرية المعالم الأثرية الشامخة، حيث يلوح في الأفق مسجد المنارة الأثري وبجانبه معجزة هندسية فريدة تُعرف بـ "السقاية".

​السقاية هي عبارة عن عين ماء عذبة صافية نبعت من باطن الأرض، ولكي يحافظ الأجداد عليها، شقوا لها نفقاً وجسراً ممتداً تحت الأرض بطول يقارب الخمسين قدماً، في عبقرية هندسية يمنية قديمة توفر الحماية والنقاء للمياه المتدفقة.

​تصب هذه العين في حوض حجري محكم يشبه البركة المغلقة يُطلق عليه محلياً اسم "الكنية"، وهي بناية متقنة معمورة بالطين والنورة والأسمنت، تشكل البوابة المائية والمستقبل الأول لزوار القرية. من هذه السقاية العتيقة، يرتوي أبناء قرية يهوسن، ومنها يستمدون مياههم للطهي والزراعة، وإليها ترد الماشية لتشرب من عذب مائها.

​ولم تتوقف عبقرية التوزيع المائي عند هذا الحد؛ بل يمتد من "الكنية" مجرىً دقيق يسوق الماء بانسيابية حتى يصل إلى بركة جامع القرية القديم القابع في واديها ووسط دورها.

​ذاكرة الطفولة: ضريح الشيخ عمر السروري وتحولات المعتقد

​تحتفظ القرية في وجدانها الثقافي بمعالم ارتبطت بحركة التصوف القديمة في المنطقة، ومن أبرزها ضريح وقبر الشيخ عمر السروري.

​ويسترجع الكاتب من مواليد عام 1982م ذكريات طفولته الغامرة في أنحاء القرية قائلاً:

​"في طفولتي، كنت أشاهد الأهالي والزوار يؤمون هذا القبر الشريف ويتبركون به، حيث كانوا يقدمون النذور ويشعلون الشموع داخل التجويف القائم فوق سطح الأرض. وكان بعضهم يمسح المكان بسمن الأبقار، مدفوعين باعتقادات فطرية قديمة وظنون تزعم أن للمكان قدرة على حماية الأبقار والأولاد، وشفاء المرضى."


​ومع مرور الزمن وتغير الوعي الثقافي والديني في المنطقة، تم هدم الصوامع والقباب التي كانت تزين القبر، تماشياً مع تصحيح المعتقدات الدينية وإبطال تلك الممارسات الافتراضية، ليبقى القبر شاهداً تاريخياً مجرداً على مرحلة هامة من تاريخ التصوف في ذبحان.

​الحدود الجغرافية لقرية يهوسن: حارسة ذبحان الشمالية

​تكتسب يهوسن أهمية استراتيجية بالغة كونها تمثل آخر الحدود الشمالية لمنطقة ذبحان، حيث تحيط بها القرى والوديان كالسوار بالمِعصم:

  • من الشمال: تطل مباشرة على منطقة قدس العريقة ووادي الأشروح الخصيب.
  • من الشرق: تحاذيها قرية عهدة.
  • من الغرب: تكتنفها قرية السلم.
  • من الجنوب: تحرسها قرية الصردف وامتداد أراضي ذبحان بمحافظة تعز.

ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف

  أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع...