ربيع يهوسن الواعد: الشيخ خالد أحمد فارع السروري.. الراحل الحاضر في قلوبنا

​هناك رجال يمرون في تاريخ القرى والمجتمعات فيتركون خلفهم أثراً لا يمحوه غياب، وبصمات تعجز الأيام عن ردها. ومن هؤلاء العظماء الذين تفتخر بهم قرية يهوسن، وينحني التاريخ إجلالاً لعطائهم، الوالد والأستاذ الفاضل، والشيخ المربي والمصلح المجدد: خالد أحمد فارع السروري (تغمده الله بواسع رحمته وعفوه).

​كان الراحل الغالي أشبه بالربيع الواعد في فصول السنة، أينما حلّ نبت الخير، وحيثما تكلم أنصتت القلوب قبل الآذان.

​قائد الحركة الإصلاحية وتصحيح العقيدة في يهوسن

​لم يكن الشيخ خالد مجرد خطيب تقليدي، بل كان مصلحاً غيوراً على عقيدة أمته وقريته. وفي مرحلة تاريخية فارقة من تاريخ يهوسن، قاد الشيخ حركة تصحيح وعظية وفكرية شجاعة؛ حيث كان هو الشيخ الجليل الذي كسر الصوامع والقبب وهدم معالم التبرك والزيارات القديمة التي كان الناس يؤمونها قديماً تبركاً بالأموات.

​استطاع بحكمته، وحسن معشره، وقوة حجته المستمدة من القرآن والسنة، أن ينير بصائر الأهالي وينتقل بالقرية من ممارسات التبرك والتعلق بالقبور إلى رحاب التوحيد الخالص والاستقامة الفطرية الصحيحة، ليعيد لـ يهوسن وجهها الناصع المستنير.

​صوتٌ يتردد صداه في القلوب

​لقد وهب الله الشيخ خالد صوتاً ربانياً يلامس شغاف القلوب؛ فكم من خطبة هزت أركان النفوس وبدلت الأحوال، وكم من آية تلاها بعذوبة صوته الخاشع في محراب الصلاة فبكت من خشيتها أعين السامعين والمحبين. كان يشجي الأصغاء والمتابعة، ويجبر الجميع على الإنصات طواعية لحديثه الذي لا يُمل.

​"استقامة الثعالب".. من خطبه الشهيرة والمؤثرة التي صدح بها من منبر مسجد عمر بن الخطاب المركزي في تعز، والتي كشفت عن وعيه العقائدي، وعمقه الفكري في محاربة الزيف، والملق، والخداع، داعياً إلى الاستقامة الحقيقية على نهج الحق الخالص دون تلوّن.

​الأب، الأخ، والمعلم المربي

​إلى جانب مكانته العلمية والدينية كمصلح مهاب، كان الأستاذ خالد قريبًا من الصغير والكبير، حنوناً، طيباً، ومرحاً. الابتسامة لم تكن تفارق محياه، بل كانت مغروسة في شفتيه—ابتسامة براءة تعكس نقاء سريرته وصفاء قلبه.

​تميز بتواضعه الجم، وكان يجسد الحديث الشريف في حياته اليومية؛ فيحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، باذلاً كرمه وسماحته في خدمة أهل قريته ومجتمعه دون كلل أو ملل.

​إرثٌ من العطاء وصورٌ من الذاكرة

​نعرض لكم هنا صورتين تذكاريتين للشيخ الراحل؛ الأولى تبرز ملامحه الوقورة والابتسامة الراضية المطمئنة التي عهدها فيه الجميع



والثانية توثق جانباً من حياته العملية والتعليمية في مكتبه، حيث كان يقضي الساعات في توجيه الناس، والتحضير لدروسه وخطبه، محاطاً بأوراقه ومراجعه العلمية







لقد أعطى الشيخ خالد قرية يهوسن واليمن الكثير من وقته وصحته وعلمه، ومنح أهله ومحبيه مميزات لا تُحصى بكرم أخلاقه وطيب معشره، تاركاً بصمات راسخة في تصحيح العقائد وبناء العقول في كل بيت وفي كل زاوية من زوايا المسجد والقرية.

​دعاء ووفاء

​كل الشكر والتقدير والدعوات بالرحمة والمغفرة لك يا أبي الغالي ويا تاج رؤوسنا. لقد عشت كبيراً بأخلاقك وشجاعتك في قول الحق، وستظل كبيراً وموجهاً لنا في ذاكرتنا.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن قريته وأبنائه وطلابه وخلفه الموحدين خير الجزاء. دمت في حفظ الله ورعايته في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرية يهوسن الفاتنة: حيث يعانق التاريخ سحر الطبيعة والتراث

عتاد الأرض وهندسة الكفاح: دليل الأدوات الزراعية التقليدية في يهوسن

أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن