حلق الديك: شريان العراقة الحجري وممر الأجداد إلى سوق التربة
تتكامل جغرافيا قرية يهوسن لتجمع بين سحر الخضرة وعظمة الكفاح الإنساني؛ فكل صخرة وكل درب في هذه البلاد يروي حكاية صبر وجلد سطرها الأجداد بمسيرتهم اليومية. ومن بين هذه المعالم الجغرافية والتاريخية الفريدة التي تشد الانتباه بمجرد سماع اسمها، يبرز طريق "حلق الديك" الصاعد نحو القمم.
سر التسمية والمسار الهندسي المهيب
يحمل هذا الممر اسماً لافتاً يتردد صداه في المنطقة وهو "حلق الديك"، وتعود هذه التسمية إلى طبيعة التوائه الحاد وهندسته الصخرية المتعرجة الشبيهة بحلق الطائر، وهو عبارة عن طريق جبلي قديم وممر راجل يتخذ مساراً عمودياً صاعداً من أسفل الوادي—الذي يصب فيه شلال الركب الأسطوري—وصولاً إلى أعلى قمة الجبل حيث تستقر قرية يهوسن الحصينة.
يبدأ هذا الطريق التاريخي من بطن وادي الأشروح، ليرتفع تدريجياً عبر مدرجات ومنحدرات جبلية شاهقة حتى يربط الأسفل بالأعالي في تناغم تضاريسي مذهل.
شريان الحياة الاقتصادي لمناطق الحجرية
قبل شق الطرقات الحديثة وتمدد السيارات، كان طريق "حلق الديك" هو القبلة والممر الرئيسي الذي يعتمد عليه السكّان في مناطق واسعة من الحجرية؛ حيث كان يمثّل الرابط الأساسي لـ:
- أهالي بلاد قُدس وضواحيها.
- أهالي بلاد بني حماد وضواحيها.
- أهالي منطقة مطران والقرى المجاورة.
كان الجميع يمرون من هذا الدرب مشياً على الأقدام، متكبدين وعثاء السفر ومتحدين قسوة المرتفعات، متوجهين صوب "سوق التربة" الشهير، الذي كان يُعد مركز التسوق والتجمع الاقتصادي الأكبر لهم لتوفير كافة مستلزماتهم المعيشية، والغذائية، والبضائع الأساسية.
عبقرية الدرج الحجري غير المعبد
هذا الطريق ليس معبداً بالأسفلت، بل هو ممر أثري نُحت ورُصف بأيدي الأجداد ليتحول إلى سلسلة ممتدة من الدرج الحجري الصخري المحكم.
وتنقل لنا الصورة المرفقة هذا المعلم الأثري البديع؛ حيث يظهر مجرى الطريق الحجري العتيق وهو يتلوى كالثعبان بين التلال، مدرجاً بحجارة صلبة صمدت أمام السيول وعوامل الزمن، وتحيط به الخضرة والمزارع الجبلية، مشكلاً حلقة وصل تاريخية تزيد أبناء يهوسن فخراً وشموخاً بإرث أجدادهم الذين قهروا الصخور لشق دروب الحياة والعيش الكريم
إن طريق "حلق الديك" ليس مجرد درب للمشي، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الكفاحية والتاريخية لقرية يهوسن وجوارها، وشاهد حي على زمن كان فيه الإنسان والدرج والصخر يصنعون معاً أمجاد بلاد الحجرية.

تعليقات
إرسال تعليق