أقسام المدونة

الأحد، 14 يونيو 2026

ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف

 

أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع وقت العمل، بل كانت "موجزاً أنبائياً" مصاغاً بالشجن والأنفة، يسرد تفاصيل الاغتراب القسري للأزواج، ويصف كفاح الصبا، ويرسم بجرأة عفوية طهر الحب، ومكابدة العيش شح المياه.

​وفي هذه القراءة التوثيقية، نُبحر في أعماق هذه الترانيم مع تفكيك معانيها البليغة:





​1. ثورة العُمر الضائع: عتاب لاهب لعواصم الاغتراب

​حين يطول غياب الزوج المغترب، ترفض المرأة الريفية أن تُختزل حياتها في أموال أو هدايا تُرسل عبر المسافات. إنها تطلقها صرخةً عالية مدوية: «مشتيش ثياب ولا فلوس ربابي» (لا أريد ثياباً ولا أموالاً)، فـ «ما هوش بهجرك يوم من شبابي» (ما الفائدة من هذا الهجر الذي يسرق أيام صباي؟).

​وتتحسر بمرارة على سنين عُمرها التي «جزع» (مرت وانقضت) في مجرد انتظار الرسائل، قائلةً بأسى يذيب القلوب:

غبني على عمري جزع رسايل

شيبتني وانا وليد جاهل


(وتعني بـ "وليد جاهل" أنها كانت لا تزال صغيرة غرة، فضاع شبابها في الانتظار).

​ثم تلتفت بنقدها الساخر واللاذع نحو عادات الاغتراب في "الرياض"، واصفةً المفارقة المؤلمة التي يعيشها الأزواج:

أهل الرياض شهرين يعطروهن

وأربع سنين للجن يهجروهن


​2. كبرياء الريفية: صدري "مرعى خصب" أو "طريق صنعاء"

​تتجلى أنفة المرأة وعزة نفسها في هذه الربوع؛ فهي تفتح قلبها لمن تحب وتجعله كـ «الحشيش والمرعى» (العشب الأخضر والروض الخصيب)، لكنها تضع كرامتها فوق كل اعتبار، فإما وفاء وحب مستحق، وإلا فالفراق العاجل:

فتحت لك صدري حشيش ومرعى

إن أعجبك والا طريق صنعاء

فتحت لك صدري تدخل تشوفه

تقراء شرف الحب على حروفه


​وحين يصفو الهوى، يتدفق شجناً غزلياً عذباً يفيض بالجرأة البريئة والتمني بقرب الدار:

يا ليتنا جارك أو بجنب دارك

شاقفز إلى صدرك وأقد زرارك


(وكلمة "شاقفز" هنا تعني: سوف أتلقف وأتسلق إليك بشوق جارف).

​3. لوعة الخوف والارتباك: إشاعات العواذل ومرور الحبيب الـ "مجمش"

​تستمر الترنيمة في تصوير القلق النفسي الشديد الذي تعيشه المرأة بسبب إشاعات الناس ومحاولات إخافتها على حبيبها («يفجعوني» أي يخوفوني)، حتى يختل توازن تفكيرها ومرادها («حسي ارتبش وخاطري تغشوش» أي تخربط عقلي وارتبك خاطري)، وتحديداً حين يمر بجانبها الحبيب وهو «مجمش» (أي متخفٍ ومغطى بالحجاب) فلا تكاد تتبينه:

سميتني لك سم حار قاطع .. ليله تموت وليلتين تنازع

فك اللثام تحت اللثام مبسم .. مثل السيوف بالحرب يقطروا دم

سبايبك يالخل شقتلوني .. هل من صحيح والا يفجعوني

حسي ارتبش وخاطري تغشوش .. لما جزع جمبي الحبيب مجمش

مطر غزير والشمس لا عيوني .. خلي بخير والناس يفجعوني


(تقول في المقطع الأخير: رغم أن المطر ينهمر بغزارة والشمس تضرب عيوني، ورغم تهويل الناس وإخافتهم لي، إلا أن قلبي يحدثني أن خلي بخير).

​4. في السايلة ورعي الغنم: سيرة الطيور ومكابدة الجفاف

​لا تغيب تفاصيل العمل اليومي الشاق عن هذه الأغاني؛ فحين تنذر السماء بالبرق والرعد، تتنادى الراعيات قائلات: «شنجلس» (سوف نرتاح) لأن الوقت لا يزال «مغلس» (أي باكراً في أول الصباح أو أول الليل):

وراعيه ردي الغنم شنجلس

سيدي الكريم عاد راعده مغلس


​وفي مشهد بليغ آخر، ترسم الترنيمة صورة فتاتين «بالسايلة يسيرين» (يمشين في مجرى مياه السيول والأمطار)، وهن يبحثن ويدققن النظر في الأرض بحثاً عن «ريش الجرع شطيرين»؛ و"الجرع" هو طائر بري شهير يشبه الدجاج، تبحث الفتيات عن ريشه الخفيف والجميل كرمز للأمل والرغبة في الطيران والتحليق بعيداً عن أثقال الواقع:

ثنتين بنات بالسايله يسيرين

يدورين ريش الجرع شطيرين


​ثم تصل الترنيمة إلى ذروة البلاغة التوثيقية والاجتماعية عند وصف شح المياه وجفافها («الماء نزاف» أي شحيح جاف يوشك على النفاد)، حيث يجتمع الأهالي لاقتسام ما تبقى من ماء المطر المحفوظ في «الأكراف» (وهي السدود أو الحواجز المائية التقليدية الحجرية)، فلا يغرفون بالأواني بل يتقاسمونه شحيحاً براحة أكفهم! وهنا تظهر معادن الناس وتمايز طبائعهم في الأزمات:

الماء نزاف يتقا سموه بالاكراف

الجيدة يغرف والذليل يختاف


(إنها صورة تعبيرية مبهرة: فالمرأة «الجيدة» أي الأصيلة الشجاعة تتقدم بثبات لتغرف نصيبها بأنفة، بينما الشخص «الذليل» الجبان يتراجع للخلف ويأخذ نصيبه بذعر وخوف «يختاف»).

​إن هذه الأهازيج الشعبية والترانيم النسوية العفوية هي التوثيق الحي الحقيقي لتاريخ قرية يهوسن؛ طُبعت بدموع الأمهات، وعزة نفس الفتيات، وصمود الراعيات، لتظل نبراساً يحفظ هويتنا الحجرية الأصيلة للأجيال القادمة

#تراث_يمني #الحجرية #يهوسن #تعز #اليمن #ذبحان

#مهاجل_يمنية #أدب_شعبي #المرأة_الريفية #أغاني_الحصاد #مطبخ_العائلة_السهل


أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن

 

إن القيمة الجمالية للمهاجل الزراعية في قرية يهوسن وعزل بلاد الحجرية لا تأتي من كونها إرثاً متوارثاً وحسب، بل لأنها مرآة صادقة تنبض بأجواء كل فصل وموسم؛ فكل تفصيل في الحياة اليومية له أهزوجته الخاصة. وإذا كان الرجال يصدحون خلف المحراث، فإن للمرأة الريفية سيمفونيتها الراسخة في الأذهان، والتي ترافقها في أصعب لحظات عملها: من رعي الأغنام والاحتطاب، إلى زفرات الشوق خلف المغتربين، وصولاً إلى طحن الحبوب خلف الرحى التقليدية.





​1. أهازيج الاحتطاب والرعي: خضرة الوديان ودموع الأحباب

​أثناء خروج المرأة الريفية في أوقات رعي الأغنام أو عند الاحتطاب وتقليم الأشجار لتجميع حطب الموقد تحت زخات المطر، تتمازج أصواتها العذبة مع الطبيعة الخضراء لتردد واحدة من أكثر الأغاني الشعبية رسوخاً وشجناً، مستحضرةً "وادي الضباب" الشهير:

وادي الضباب ماءك غزير سكاب

نصه مطر.. ونصه دموع الاحباب


​2. لوعة الفراق والأسى: بواكي المغتربين في ليالي السهر

​ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه التضاريس، فقد كانت المرأة الريفية في يهوسن وذبحان هي الحارس الوفي لانتظار الغائبين. ومن بين جدران البيوت الحجرية، تصعد زفرات الشوق الحارقة في مهاجل الاغتراب، تنديداً بالمسافات وتأكيداً على حنين الذكريات:

غائب سنين.. قالوا السنة وصوله

الله يصيب من كان سبب رحيله

كم اذكره في سهرته ومقيله

يوم السفر كان الهوى دليله


​وحين تعجز الرسائل عن الوصول خلف البحار، تلجأ المرأة إلى الطيور المحلقة في السماء، لتستحلفها أمانةً بأن تحمل أشواقها وتأتيها بلمحة خبر عن الحبيب:

بالله عليك يا طير يا معلي.. إن كان ترى خلي.. أمانتك تقلي

شاحملك شوقي إليه وحسي.. بالله عليك يا طير أمانتك لا تنسي


​3. أهازيج الرحى والمطاحن: دُعابة الصبا والبحث عن "حصاد الستر"

​حين تجلس المرأة الريفية وراء "الرحاء التقليدية" لطحن الحبوب، تخلط تعب الجسد بالدُعابة العفوية التي تضج بالأنوثة والحياء. فتحت وطأة الطحن، تلتفت الفتاة إلى أخيها الصغير لتجعله حكماً ورسولاً بينها وبين أبيها (شعدلك على أبي أي: أنت الـحَكَم بيني وبينه)، طالبةً منه بجرأة ريفية محببة أن يزوجها بدلاً من المماطلة والانتظار، مشبّهةً نفسها بالذرة البيضاء الناضجة في موسم الصراب (خيار صرابي)؛ في كناية بليغة بأن قطافها قد حان وأنه قد آن وقت زواجها:

يا أخي الصغير .. شعدلك على ابي

قله يزوجني.. ومو يشابي

كعوب صدري .. حرقوا ثيابي

وجهي ذرة بيضاء .. خيار صرابي


​إن هذه المهاجل النسوية المتوارثة في قرية يهوسن تثبت أن المرأة لم تكن مجرد شريكة كفاح في الحقل والمنزل فحسب، بل كانت وما زالت شاعرة الأرض وقيثارة الشجن التي حوّلت المشاق اليومية من رعي واحتطاب وطحن إلى أغانٍ خالدة تُخلّد كبرياء المجتمع الريفي وأصالته المتمسكة بالقيم العربية العريقة.


#تراث_يمني #الحجرية #يهوسن #تعز #اليمن #ذبحان


#مهاجل_يمنية #أدب_شعبي #المرأة_الريفية #أغاني_الحصاد #مطبخ_العائلة_السهل

أصالة المدرج: طقوس زينة الأثوار وحكمة الفلاح في مواجهة "الهجاري"

 

​مع إشراقة الموسم الزراعي المبكر في قرية يهوسن وبلاد الحجرية، لا تنشط أسواق الأدوات التقليدية فحسب، بل تتجه أنظار الفلاحين نحو أسواق البقر لشراء الثيران القوية؛ حيث ترتفع بورصة أسعارها لتصل حدود 200 ألف ريال للثور الواحد. وهناك، في تفاصيل رعاية هذه الأنعام، تتجلى طقوس من المحبة والوفاء لا يعرفها إلا أبناء الأرض.

​طقوس الفجر: السمن البلدي وزينة "التشقير" العطرية




​يستذكر الحاج قائد سيف ملامح من الماضي الجميل الذي يفيض بحسن المعاملة والتدليل لشركاء الأرض؛ فمع حلول موسم بذر الحبوب («الذري»)، يبكر الفلاحون فجراً لإخراج الأثوار من الحظيرة لتتشمس في هدوء الصباح، ثم يقومون بغسلها بالماء النقي وتقديم الأعلاف والماء لها.

​وبعدئذٍ، تأتي طقوس التزيين الفريدة؛ حيث يُرش ظهر الثور ورأسه بـ السمن البلدي ويُمسح به جيداً، ليعقب ذلك طقس «التشقير»؛ والتشقير في عرفنا هو جمع باقة من أجمل الأعشاب العطرية المتوفرة في وادي القرية—مثل الريحان (الشور) والزعفران وغيرهما—ثم صرّها وتربيطها بعناية على رأس الثور ليفوح عطراً، وينطلق نحو «الحول» بكل نشاط وحيوية مقبلاً على الميدان. وهنا يصدح الفلاح زاملاً بفخر:

لاتبيع الثور ... إلا بعد الشور

لاتبيع ثوره .. إلا بعد شوره

ثوري عاطش ماء .. ثوري غبان

ثوري من شرعب .. والخيول تلعب

وسط ميدان .. هجده والبيرين سوقهم ثاني


​هندسة الأعمار: حكمة "الجُبار" وعذر "الأعجال"

​يمتلك المزارع في يهوسن خبرة فطرية في تصنيف الثيران وحساب قوتها ومدى تحملها، ويطلق على الثورين معاً اسم «الضَّمْد».

  • الضَّمْد «الجُبار» (جمع جابر): هي الثيران المسنة الخبيرة التي "خسرت أسنانها" (أي قلعتها وأكملت تبديلها)؛ فهذه الثيران تمتلك جلداً وقوة فائقة على الحراثة ومواصلة العمل دون تعب تحت لهيب الشمس وحتى مغيب الشمس، ولذا يقترن بها المثل القائل: «ماصاحب الجُبار حيث ما اشتهى قيل»—ومعناه أن صاحبها يرتاح متى ما أراد («قيل» أي أخذ قيلولة) لأنه مطمئن لقوة ثيرانه وجسارتها.
  • الضَّمْد «الأعجال» (الجذوع): هي الثيران شابة العمر الصغيرة التي لم تخسر من أسنانها شيئاً بعد؛ ولأنها تفتقر للخبرة والتمرس، فإنها تتعب سريعاً وقت الظهيرة وتحاول الهروب نحو ظلال الأشجار للاستظلال من حر الشمس الشديدة، ويعذرها الفلاح لقلة حيلتها كما يقول المثل: «أما صاحب الأعجال تحت الشجيره أعذر»؛ لأنه يضطر لأخذ قسط من الراحة معها ولا يستطيع مواصلة العمل الشاق.

​صمود الهجاري: حوار "الرعوي" و"البتول" خلف النبال

​في ذروة حرارة الشمس الحارقة (وقت الهجاري)، يشتعل الحماس في المدرجات؛ حيث يلتفت «الرعوي» (وهو صاحب الأرض) مخابطاً «البتول» (وهو الحارث المحترف وصاحب الأثوار)، طالباً منه ألا يتراجع أمام القيظ، بل أن يتحين وقت الظهيرة ويضغط بقدمه بثقل فوق «النبال» (المحراث)، في إشارة إلى ثقته المطلقة بقوة ثيران "الجبار" وتحملها الشديد:

كم وقت الهجاري ... إدعس عالنبالي


​وإستجابةً لهذا النداء، يواصل البتول كفاحه متمسكاً بمحراثه حتى وقت العصر، ملتفتاً إلى ثيرانه («الضميدة») ليناجيها بصوت حانٍ يقطر حباً وشجناً، طالباً منها ألا تفك نير الحراثة إلا مع اقتراب غروب الشمس، داعياً لها بالسلامة من ضربات السوط والجهد:

ألا ياذي الضُميدة ... راعيك أوصاني

لافُك ولاقيل ... إلا عصر داني

ألا ياسين عليكم ... والملاح من الموت

من شلة العيدان .... ومن ضربة السوط


​سيمفونية الفلاح: من طرب المحراث إلى شجن الاغتراب

​تستمر الأغنية الشعبية في مرافقة الفلاح خلف محراثه؛ فحين يشق الأرض يغني بأصواته الشجية مستعذباً طعم الماء البارد بعد العطش والجهد:

وارشا وبارديه = شرية البارد هنيه

وارد الماء وارديه = ياحلا ووارديه


​ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه البلاد، فإن هذه الكلمات والأهازيج الزراعية تهاجر معهم في الغربة، لتتحول في لياليهم الباردة خلف الحدود إلى لوعة حنين وشوق جارف لمدرجات قرية يهوسن وأيام حراثتها:

الليل أهيم والصبح أدقدق أسلاك .. ويوم ثاني وسوسة وشكاك

عتاد الأرض وهندسة الكفاح: دليل الأدوات الزراعية التقليدية في يهوسن

 

​مع إشراقة الموسم الزراعي الخصيب والمبكر، تدب حياة استثنائية في شرايين قرية يهوسن وبلاد الحجرية؛ حيث تنشط الأسواق الشعبية وتتحول ورش "الحدادة" والنجارة التقليدية إلى خلايا نحل لا تهدأ. هناك، تصطف السواعد لتجهيز وتشكيل عتاد الفلاح وأدواته التي توارثها كابراً عن كابر، لتعيد رسم ملامح العلاقة الأبدية بين الفلاح ومدرجاته المعلقة.






​وفيما يلي دليل توثيقي شامل، يشرح هندسة ووظائف هذه الأدوات الريفية العريقة:

​أولاً: منظومة المحراث التقليدي (النِّبال وأجزاؤه)

​1. النِّبال (المحراث)

​هو الأداة الإستراتيجية والرئيسية لشَق التربة وقطعها، ويُجر عادة بواسطة الثيران، أو الأبقار، أو الحمير. يتكامل في صنعه نجار القرية الذي يصنع أجزاءه الخشبية، والحداد الذي يجهز نصله المعدني الصارم. يُستخدم النبال لتهيئة الأرض وتقليبها قبل بذر الحبوب، ويحرص الحداد على إبقاء حدّه حاداً لمواجهة الصخور والتربة الصلبة. (كما يظهر في الملفين المرئيين: 



​2. السَّاقَة

​ذراع خشبي طويل ومتين، يُثبت كجزء محوري ضمن هيكل النِّبال، ليربط بين جسم المحراث والحيوان الذي يجره. تساعد الساقة البتول (الحارث) في توجيه المحراث والتحكم بمساره، وتمتاز بوجود أكثر من ثلاثة ثقوب في مقدمتها، ووظيفة هذه الثقوب هي التحكم الدقيق في تحديد المسافة والأبعاد بين المحراث والأثوار. (يمكن رؤية النجار وهو يشكلها في الملف: 



​3. السِّكّ

​هو النصل الحديدي الصلب الذي يأخذ شكل مسمار ضخم ويُثبت في مقدمة السَّاقَة؛ ويلعب دوراً رئيسياً في ضبط هندسة المحراث وتثبيت المسافة الفاصلة بين النِّبال والحيوانات لضمان استقامة خط الحراثة.

​4. المُضَمَّد

​قطعة خشبية داعمة وهامة تُوضع وتُثبت على عنق الأثوار (النير)، ووظيفتها الأساسية هي توزيع قوة الجر بالتساوي بين ثيران الضمد عند الحراثة. يتم ربط المضمد بمقدمة السَّاقَة بواسطة السِّكّ، مما يمنح المحراث بأكمله تماسكاً وثباتاً هائلاً أثناء تفتيت الأراضي الصلبة والمدرجات الجبلية. (يتضح استخدامه على أعناق الثيران في الملف: 




​ثانياً: أدوات التكميد، والتسوية، والتقليب

​5. المِحَرّ

​أداة حديدية ثقيلة ومستطيلة الشكل، تُستخدم في مرحلة ما بعد الحراثة؛ حيث يقوم المزارع باستبدال النِّبال بها وتوصيل حبالها بأطراف المُضَمَّد المثبت على عنق الثور. ووظيفة المحر هي تسوية التربة ونعقها، محولاً الكتل الطينية الصلبة إلى تربة ناعمة ومهيأة تماماً لاستقبال البذور لبدء الزراعة.

​6. الحَجْنَة

​عصا خشبية أو أداة ذكية ذات انحناء بسيط في نهايتها. يُستعان بها لحفر التربة يدوياً أو تقليب الأرض لمناولة بعض المحاصيل قوة في تغطية جذورها بالتراب. كما تُعد الأداة المنقذة للمزارع لحراثة الأماكن الضيقة والزوايا الحرجة التي لا يمكن للمحراث الكبير والثيران الوصول إليها.

​7. الحَجَفَة (المجرفة)

​أداة يدوية حديدية ذات مقبض، تُستخدم بكثرة لإزالة الحشائش الطفيلية، وتنظيف مساقط المياه، وتسوية أطراف وجدران المدرجات الزراعية لحمايتها من الانجراف، وقد تختلف تسميتها قليلاً من عزلة إلى أخرى.



​8. المِذْرَايَة

​أداة خشبية فلكلورية ذات أسنان متفرعة تشبه الأصابع. تُستخدم بكفاءة عالية بعد موسم الحصاد لجمع القش والتبن، كما تُستعمل لتقليب المحاصيل المجففة وتذريتها في المذرأ أثناء عملية "الدراس" لفصل الحب عن التبن.

​ثالثاً: أدوات الحصاد، والقطع، والتشذيب

​9. الشَّرِيم

​أداة حديدية حادة ومقوسة تشبه المنجل أو السكين الكبيرة ذات النتوءات. تُعد الرفيق الدائم للمزارع والمرأة الريفية في مواسم الصراب؛ وتُستخدم لقطع الأغصان وتشذيبها، وحصاد المحاصيل وسنابل الحبوب، وتجهيز الأعلاف اليومية للماشية. (كما هو موثق في ملف: 



​10. الفَأْس ( العطيف )

​من أقدم وأشهر الأدوات في الريف، وتتكون من رأس حديدي صلب ومقبض خشبي متين. تُستخدم للأعمال الشاقة كقطع الأشجار الكبيرة، وتقليم الأغصان السميكة، واستئصال الجذور العميقة من قاع التربة لتطهير الحول.



​11. السِّكِّين

​أداة برية متعددة المهام لا يغفل عنها المزارع؛ تُلازمه طوال يومه لقطع الحبال، وتجهيز شتلات المزروعات، وتشذيب النباتات الصغيرة، وإنجاز الأعمال الخفيفة اليومية في الحقل.



​رابعاً: أدوات الرعاية وحماية الزرع

​12. الفَدَّامَة

​أداة تصنع يدوياً بكثير من المهارة، وهي عبارة عن كمامة أو غطاء شبكي مجدول يُصنع من الحبال المتينة أو الألياف النباتية الطيعة. تُوضع الفدامة بعناية على فم الحيوان (سواء كان ثوراً، أو بقرة، أو حماراً، أو جملاً) أثناء الحراثة أو التنقل وسط الحقول المزروعة. (تفاصيل صناعتها اليدوية تظهر في ملف: 



وظيفتها الإستراتيجية:

  • حماية الجهد والأرض: منع الحيوان من قضم وأكل المحاصيل القائمة والسنابل أثناء مروره بين المدرجات، مما يحمي تعب المزارع من التلف.
  • التركيز في العمل: منع تشتيت الحيوان عن المهمة الموكلة إليه (سواء كانت حراثة أو نقلاً)، فالحيوان بطبعه قد ينشغل بتناول أوراق الذرة أو البقوليات، لذا تحافظ الفدامة على وتيرة العمل وسرعته.

​إن هذا الدليل للأدوات التقليدية في قرية يهوسن ليس مجرد سرد لقطع من الخشب والحديد؛ بل هو وثيقة حية تروي كيف طوّع الفلاح اليمني تضاريسه القاسية بذكاء وهندسة فطرية عزّ نظيرها، لتظل هذه المفردات مرجعاً تاريخياً أصيلاً يحفظ هوية الأرض وكفاح الأجداد في ذاكرة الأجيال القادمة

ثالوث الأرض المقدس: الفلاح والثور والمحراث.. وسيمفونية الكفاح في ربا يهوسن

 

لا يمكن لمن يتأمل مدرجات قرية يهوسن وربا الحجرية الخصيبة أن يخطئ ذلك الرابط الوجداني العجيب الذي يجمع بين الفلاح، وثوره، ومحراثه، وفي قلب هذا المشهد التجلي الأسمى لكفاح المرأة الريفية الفاضلة. إنها ليست مجرد علاقة عمل عابرة، بل هي "علاقة ارتباطية" تفيض بالعشق، والولع، والشجن؛ صاغها الإنسان الريفي في أهازيج ومهاجل وزوامل تُعد من أثمن كنوز الفلكلور الشعبي الذي يوثق تلاحم البتول مع أرضه وشريكة كفاحه وأدواته.

​"المَهرَد": طهر المرأة الريفية وأيقونة الجمال الكادح في الحقول

​في غمرة العمل والمشقة بالمدرجات الزراعية، تبرز صورة «المَهرَد» كأيقونة فريدة تعكس عظمة المرأة الريفية؛ والمَهرَد هي المرأة الأصيلة التي تضع على وجهها مسحوقاً تقليدياً أصفر اللون يُسمى «العُصفر»، حيث يُطحن ويُخلط مع قليل من الماء ثم يُمسح به الوجه ليمنحه صبغة صفراء تشبه لون الكركم. وفي الأيام التي لا يتوفر فيها العُصفر، تستعيض عنه بـ «الهُرد» (الكركم الحجري).

​ولا تقف هذه المادة كزينة وجمال فحسب، بل إن لها وظيفة علمية هامة؛ إذ تعمل كواقي طبيعي يحمي بشرة المرأة من أشعة الشمس القاسية والشديدة وتعمل على ترطيبها أثناء قضائها ساعات طويلة في الحقول، إلى جانب ما تضفيه من منظر جمالي مشرق للوجه. ومن هنا جاء المهجل الصباحي ليحيي همة هذه المرأة الكادحة وهي تشق وتصرب أعالي "الجِرب" (الأراضي الزراعية):

لانت مرادك بالمهرد.. أحرث أروان الجِرب


​الولع بالثيران: تدليل الأثوار وأوصافها في الذاكرة الشعبية

​إلى جانب تحية المرأة الريفية، يصل ارتباط الفلاح بثوره إلى حد المفاخرة والعشق؛ حيث يتغنى بخصاله ويضمنه في مهاجل الزراع وزوامل الرعية بأوصاف تبرز ذكاءه وقوته. فتجده يتغنى بـ «الأشعب» المحمي بـ «المفدم»—وهو غطاء تقليدي يُصنع بعناية من سعف النخيل (الخزف) ويُوضع على فم الثور لمنعه من أكل المحاصيل والزرع أثناء الحرث:

وقلبي يحب الثور الأشعب.. والمفدم لاحزب


​كما يعشق الفلاح الضمد «الرجوع»—وهي الثيران "المربعة" حسب لغة الفلاحين، أي التي خَسرت أربعاً من أسنانها؛ ويميزها الفلاح لأنها باتت خبيرة بالأرض وتعرف مسار الحراثة بدقة وعفوية دون أي تعرج أو إعاقة، ولا تحتاج معها من البتول زجراً أو قولة "ارجع":

أنا قلبي مولع.. بالضُميد الرجوع

لاتقبل الموهر.. ولاقولة ارجع

واضميد جودي.. الحديد ينحل.. وأنت للمزيدِ





طقوس الأرض والسياسة: عادات "يوم الصراب" وجسارة المهاجل السياسية في يهوسن

 

إذا كان لـ "أيام الصراب" في قرية يهوسن وبلاد الحجرية نكهتها الأدبية في الحقول، فإن لها في قلوب المزارعين وبيوتهم شأناً عظمياً؛ إذ يُعتبر هذا اليوم بمثابة وليمة ومهرجان اجتماعي تتداخل فيه قيم التكافل الصادق، والأنفة الريفية، والعادات الحازمة التي تنظم الحياة الأسرية، وصولاً إلى توثيق المحطات السياسية والتاريخية عبر حناجر الفلاحين.

​"الحنذور": مائدة الكرم ومكافأة السواعد السمر

​لا يذهب المزارعون إلى حقول يهوسن في أيام الصراب كأُجراء، بل يلبون دعوة صاحب الأرض مسرورين بروح الجوار والأقارب. وتتنوع أشكال هذا العون بين:

  • "السُّخرة": وهو العمل التعاوني الطوعي بلا مقابل.
  • "الضَّهاء": وهو نظام تبادل العون (قضاء يوم عمل بيوم مثله).

​وتقديراً وتكريماً لهذه السواعد التي تبذل الجهد والمشقة دون كلل، يحرص صاحب العمل على إعداد وجبة غداء دسمة للغاية، غنية باللحم والسمن الحري، وينقلها مع أسرته إلى موقع الحصاد، وتُعرف هذه المائدة بـ "الحنذور".

​ولأنها مائدة استثنائية لا تظهر إلا في أوقات الشدة والعمل الإستراتيجي، فقد ارتبطت بموسمين فقط: (الصراب وبذر الحبوب "الذري")، وبها تصدح الأهزوجة النيسانية الشهيرة:

«وأرعويه إندي الذري والحنذور.. واندي الدجاجة اللي جناحه مكسور»


​المهاجل السياسية: صوت الفلاح ضد جور السلطة من الأتراك إلى الأئمة

​لم تكن مهاجل الصراب بمعزل عن الواقع السياسي والأزمات التاريخية التي مرت بها المنطقة؛ بل كانت منبراً حراً وجريئاً للتنديد بالظلم، والجور، والضرائب التعسفية التي كانت تفرضها سلطات الدولة لتقدير محاصيل الرعية وتجريدهم من كفاحهم، فيصدحون بالحماس الساخر:

وأيا مخمل لك المصائب

سبعة بقصله على الجشائب


​ويمتد هذا الوعي التاريخي إلى أيام الاحتلال العثماني، حيث كانت الحقول ترتفع بالدعاء والشكوى:

من دولة الترك ياالله الجمائل..


​وحتى عهد الأئمة، لم تسلم السخرية اللاذعة من سلوك "المشائخ والوجهاء" الذين كانوا يسلمون أولادهم رهائن لضمان الولاء والتمتع بالامتيازات على حساب الرعية:

الشيخ يوصي يشا رهائن

الشيخ مزبط يشا نعائم

يامن تشيّخ أندي رهائن

يامن تعقل باع البهائم


​حزم العرف الاجتماعي: "الذي تحرن أيام الصراب ترجع بلا رضاء"

​من تجليات قوة الترابط الاجتماعي واستشعار المسؤولية الكبرى في مواسم الخير، جرى العرف التقليدي في مناطق الحجرية على فض النزاعات الأسرية فوراً ودون شروط خلال هذا الموسم.

​فالمرأة التي تتشاجر مع زوجها وتغادر بيتها حانقة (غاضبة) إلى بيت أهلها في أيام الصراب، يقضي العرف القبلي الملزم والـحَكَم القاطع بإعادتها إلى بيت زوجها في يومها ذاته مكرهةً ودون حاجة لمصالحة أو "إرضاء"، تخليداً للمثل الشعبي الحازم: «الذي تحرن أيام الصراب.. ترجع بلا رضاء»؛ لأن ترك العمل والمسؤولية في أيام الحصاد الشاقة يُعد تفريطاً في أمن الأسرة الغذائي والاجتماعي.

​"كن بصرابك مجنون": حيوية النشاط ونبذ الخمول

​تتمايز المهاجل وتختلف باختلاف الحالة النفسية والعملية للمواسم؛ فبينما تتسم مهاجل الخريف بالنشوة والابتهاج المتناغم مع تماوج السنابل، فإن مهاجل الصراب تتسم بـ الحيوية المتدفقة والسرعة الإنجازية، التزاماً بالمثل الزراعي الحكيم: «كن بصرابك مجنون وبذريك عاقل».

​لذلك، فإن هذه المهاجل تنبذ الكسل، وتوقظ النيام مع تباشير الصباح الباكر لملامسة الأرض وحصد الثمر:

قم وحّد الله واعبد نائم

واعبد راقد فوق الوسائد

ياراقد اليوم كم لك نائم

ماترقد النوم إلا البهائم


​إن "يوم الصراب" في تاريخ قرية يهوسن والحجرية يبرهن على أصالة مجتمع ريفي متمسك بعاداته العربية العريقة، مجتمع يعرف كيف يُكرم الصديق، وكيف يصون الأرض والمسؤولية، وكيف يرفع صوته شموخاً في وجه الجور والظلم لتبقى سيرته حية نابضة في سفر التاريخ والذاكرة الشعبية.

أصوات الحقول وأشجان الحصاد: "مهاجل الصراب" وتراثها الأدبي في يهوسن

 ​يرتبط الإنسان في قرية يهوسن بأرضه ارتباطاً وجودياً، ويتجلى هذا التلاحم في أبهى صوره خلال "أيام الصراب"—وهي الأيام المجيدة لجني المحاصيل الزراعية وحصاد خيرات الأرض. في هذه المواسم، لا تحتفي يهوسن بالثمر فحسب، بل تصبح حقولها ومدرجاتها الخضراء مسرحاً مفتوحاً للفن والأدب؛ حيث تصدح حناجر الرجال والنساء بـ "المهاجل والزوامل" الشعبية، التي تُلهب الحماس وتحكي بواقعية وعمق تفاصيل الحياة الريفية.




​الخصوصية العروضية لمهجل الصراب الصباحي

​يلاحظ المتتبع لـ "المهجل الصرابي الصباحي" الذي يبدأ بعبارة «واليوم والله.. واليوم دائم»، أنه يحمل خصوصية أدبية تفرده عن بقية المهاجل الزراعية الأخرى. فمن الناحية العروضية، يُعد هذا المهجل فريداً في تعرضه لما يسميه علماء العروض بـ «الإكفاء» (وهو تنوع حرف الروي مع اتحاد ما قبله)، حيث اعتمدت قوافيه على "حرف التأسيس" و"الدخيل" دون الالتزام بروي واحد ثابت (مثل: دائم، سحائب، سائر، حوائج، نخائل).

​التأسيس: هو الألف الواردة في كلمة (دائم)، والتي يفصل بينها وبين الروي حرف متحرك.

​الدخيل: هو الحرف المتحرك (كالهمزة) الواقع بين ألف التأسيس وحرف الروي.

​ورغم هذا التحرر القافوي، إلا أن الإيقاع اللحني للمهجل يظل منسجماً ومتدفقاً، يتماشى مع حركة المزارعين ونشاطهم العفوي.

​زفرات القلوب وشجن الفراق وسط الحقول

​للوهلة الأولى، قد تظهر مهاجل الحصاد مشغولة بالعمل والحركة والحماس الجسدي، مما يجعلها تبدو غير آبهة بالعواطف المحبوسة في الصدور. لكن المتأمل في نصوصها، يجدها تنفجر أحياناً على شكل زفرات عميقة منتزعة من أعماق القلب، تلخص قضايا اجتماعية وعاطفية متشعبة الجذور، كالحنين للحبيب الغائب في أيام الحصاد:

​أحباب قلبي.. ساروا بعائد

معي جبيب.. له دهر غائب

صرب ووجم.. وغاب دئم

وغاب نجمه.. بين السحائب

يارب تسوق.. سوق السحائب

​فلسفة الاغتراب وتقلبات الدهر في وجدان المزارع

​لم تكن المهاجل مجرد تسلية، بل كانت مرآة تعكس واقع الهجرة السفر وملازمة القوافل التي فرضتها الظروف المعيشية على أبناء الحجرية. وتأتي بعض النصوص حكمية وبليغة، تعاتب الذين يتركون أرضهم ويوجهون نداءً مفعماً بالخوف من غدر الزمن وتقلبات الأحوال:

​يا حادي العيس.. حادي الركائب

يا عيس حني.. وايا رخائل

وايا رحيله.. مع الرحائل

حنيت يا عيس.. حنين دائم

حنين محبوس.. بالقيد هائم

واليوم هذه.. شدوا الرحائل

كم من قبيلي.. بالعهد عائب

وأنا لعهدي.. حافظ وصائن

واخي لا ترحل.. مع الرحائل

لا تأمن الدهر.. والدهر عائب

والدهر واخي.. ماضي وعائد

بيني و بينك.. عهد الله قائم

والله يعلم.. ما بالضمائر

والله يعلم.. بالحال دائم

والحال حوال.. والحال زائل

​تظهر هذه الأبيات نضجاً فكرياً وفلسفياً كبيراً؛ فهي لا تلوم لمجرد اللوم، بل تشير بعين الحكمة إلى مصاعب الغربة، وتقلبات الزمان الزائل، مؤكدة على قيم الوفاء بالعهود وصون الهوية والأرض.

​السفر من أجل المنفعة وبشائر الحركة التجارية

​على الجانب الآخر، لم تقف المهاجل ضد السفر بالمطلق، بل نجد نصوصاً تحث على الترحيل والحركة إذا كانت الغاية منها المنفعة ونقل البضائع والتجارة (كنقل الأمتعة عبر الجِمال)، في تصوير حي لحركة "الجمّالة" وقوافلهم التي كانت تجوب الخبوت والتهائم:

​يا جمال اليوم.. عبي الغرائز

مراكب البحر.. زلوا التهائم

وأنا جميلي.. يهدر وقائم

يهدر من الكوم.. ملاّ الفدائم

من فوق حمله.. زادوه غرائر

يا سارح اليوم.. خبت الرمائل

قم شد وارحل.. مع الرحائل

قم شد وارحل.. وارخي الزمائم

ولا تحمل.. حمول جائر

ولا تخبر.. ولا تسائل

لو شاورنك.. قل لهم زائر

​إن مهاجل الصراب في قرية يهوسن هي كنز أدبي وفلكلوري أصيل، يثبت أن ريفنا لم يكن مجرد مدرجات زراعية صامتة، بل كان منبعاً للوعي، والحكمة، والشعر الحاضر في السراء والضراء، ليظل هذا التراث الخالد فخراً تتوارثه الأجيال وعنواناً لشموخ وعراقة هذه البلاد وأهلها.

راحلٌ لم يرحل أثره: الأستاذ عبدالعزيز محمد عبدالهادي السروري.. صوت الإيمان ومربي الأجيال

 

الرجال العظماء لا يغيبهم الموت؛ بل تظل سيرتهم العطرة تفوح في الأرجاء، وتظل بصماتهم محفورة في زوايا الأرض وقلوب البشر. وفي تاريخ قرية يهوسن، يبرز اسم الأستاذ والخطيب والمربي الفاضل: عبدالعزيز محمد عبدالهادي السروري (تغمده الله بواسع رحمته)، كمنارة علم وتقوى، وشخصية استثنائية وهبها الله القبول والمحبة لدى الجميع.

​كان ولا يزال لقرية يهوسن وأهلها كـ "الربيع الواعد" الذي يمنح الدفء والخير أينما حل، تاركاً وراءه إرثاً من العطاء لا يُنسى وبصمات تعجز الكلمات عن ردها.

​محراب الوعظ وصوت القرآن الشجي

​لم يكن الأستاذ عبدالعزيز خطيباً عادياً، بل كان صوتاً إيمانياً يتردد صداه في مسجد القرية والمناطق المجاورة لها، فينفذ مباشرة إلى سويداء القلوب. كان لخطبه الواعية تأثيرها البالغ في النفوس، يشدّ السامعين بجاذبية حديثه ويجبرهم على الإصغاء والمتابعة.

​أما في تلاوة القرآن الكريم، فقد حباه الله صوتاً عذباً، شجياً، خاشعاً، أبكى الكثير من المصلين خشيةً وتدبراً، ليكون بحق معلماً ومربياً قادراً على صياغة الوجدان وتقريب القلوب إلى خالقها.

​ملامح الطهر: حنان التواضع وبراءة الابتسامة

​تجلت عظمة الراحل في قربه الشديد من الصغير والكبير؛ فقد كان حنوناً، طيب النفس، مرحاً، وأباً أخاً وصديقاً للجميع. لم تفارق ابتسامة البراءة شفتيه يوماً، وكانت تلك الابتسامة المغروسة في ملامحه مفتاحاً لدخول قلوب الناس دون استئذان.

​عاش متواضعاً، يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، وجاد على قريته بالكثير من المزايا بكرمه الحاتمي وسماحته المعهودة.

​صورة محفورة في ذاكرة يهوسن 




​تنقل لنا الصورة المرفقة الملامح المهيبة للأستاذ الغالي عبدالعزيز محمد عبدالهادي؛ بزيّه اليمني التقليدي والعمامة البيضاء التي تعكس وقار العلماء والمربين، وتلك النظرة الحانية الممتلئة بالسكينة والرضا. إنها الصورة التي يفتخر بها أبناء القرية وتعتز بها جبال يهوسن كرمز من رموز الأصالة والوفاء.


تغمده الله بواسع رحمته وغفرانه، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وجزاه عن قرية يهوسن وأهلها وأجيالها خير الجزاء. ستبقى في قلوبنا يا أبي الغالي ربيعاً متجدداً لا يذبل.

حلق الديك: شريان العراقة الحجري وممر الأجداد إلى سوق التربة

 

تتكامل جغرافيا قرية يهوسن لتجمع بين سحر الخضرة وعظمة الكفاح الإنساني؛ فكل صخرة وكل درب في هذه البلاد يروي حكاية صبر وجلد سطرها الأجداد بمسيرتهم اليومية. ومن بين هذه المعالم الجغرافية والتاريخية الفريدة التي تشد الانتباه بمجرد سماع اسمها، يبرز طريق "حلق الديك" الصاعد نحو القمم.

​سر التسمية والمسار الهندسي المهيب

​يحمل هذا الممر اسماً لافتاً يتردد صداه في المنطقة وهو "حلق الديك"، وتعود هذه التسمية إلى طبيعة التوائه الحاد وهندسته الصخرية المتعرجة الشبيهة بحلق الطائر، وهو عبارة عن طريق جبلي قديم وممر راجل يتخذ مساراً عمودياً صاعداً من أسفل الوادي—الذي يصب فيه شلال الركب الأسطوري—وصولاً إلى أعلى قمة الجبل حيث تستقر قرية يهوسن الحصينة.

​يبدأ هذا الطريق التاريخي من بطن وادي الأشروح، ليرتفع تدريجياً عبر مدرجات ومنحدرات جبلية شاهقة حتى يربط الأسفل بالأعالي في تناغم تضاريسي مذهل.

​شريان الحياة الاقتصادي لمناطق الحجرية

​قبل شق الطرقات الحديثة وتمدد السيارات، كان طريق "حلق الديك" هو القبلة والممر الرئيسي الذي يعتمد عليه السكّان في مناطق واسعة من الحجرية؛ حيث كان يمثّل الرابط الأساسي لـ:

  • أهالي بلاد قُدس وضواحيها.
  • أهالي بلاد بني حماد وضواحيها.
  • أهالي منطقة مطران والقرى المجاورة.

​كان الجميع يمرون من هذا الدرب مشياً على الأقدام، متكبدين وعثاء السفر ومتحدين قسوة المرتفعات، متوجهين صوب "سوق التربة" الشهير، الذي كان يُعد مركز التسوق والتجمع الاقتصادي الأكبر لهم لتوفير كافة مستلزماتهم المعيشية، والغذائية، والبضائع الأساسية.

​عبقرية الدرج الحجري غير المعبد 




​هذا الطريق ليس معبداً بالأسفلت، بل هو ممر أثري نُحت ورُصف بأيدي الأجداد ليتحول إلى سلسلة ممتدة من الدرج الحجري الصخري المحكم.

​وتنقل لنا الصورة المرفقة هذا المعلم الأثري البديع؛ حيث يظهر مجرى الطريق الحجري العتيق وهو يتلوى كالثعبان بين التلال، مدرجاً بحجارة صلبة صمدت أمام السيول وعوامل الزمن، وتحيط به الخضرة والمزارع الجبلية، مشكلاً حلقة وصل تاريخية تزيد أبناء يهوسن فخراً وشموخاً بإرث أجدادهم الذين قهروا الصخور لشق دروب الحياة والعيش الكريم


إن طريق "حلق الديك" ليس مجرد درب للمشي، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الكفاحية والتاريخية لقرية يهوسن وجوارها، وشاهد حي على زمن كان فيه الإنسان والدرج والصخر يصنعون معاً أمجاد بلاد الحجرية.

وادي جراجر: الفردوس الأخضر الممتد وحارس التخوم في يهوسن

 

تستمر قرية يهوسن في إبهار كل من يقترب منها بتنوع أوديتها ومجاريها المائية التي صاغتها يد الطبيعة العذراء لتكون جناناً معلقة على الأرض. ومن بين هذه الأودية الخصيبة، يبرز "وادي جراجر" كأحد أجمل الشواهد الطبيعية التي تحلق بالخيال بعيداً عن حدود الوجود.

​غيوم من الأشجار وامتداد يلامس الجوار

​يُعد وادي جراجر من الأودية شديدة الخصوبة، ويمتاز بمنظره الرائع الساحر؛ حيث يتغطى بـ "غيم من الأشجار" الكثيفة والملتفة التي تحجب أشعة الشمس وتضفي على المكان برودة ونشوة دافئة.

​يمتد هذا الوادي الأخضر الممتد بمسافاته الطويلة ليشمل جغرافيا القرية بأكملها، حيث يبدأ من أول حدود قرية يهوسن ويستمر متدفقاً حتى آخر نقطة منها، ليجاور في نهايته القرى المحيطة والمحاذية له وهي:

  • قرية السلم
  • قرية الصردف

​رحلة السيول وتدرج المدرجات الزراعية

​عند هطول الأمطار المباركة على قرية يهوسن والقرى المجاورة لها (السلم والصردف)، تنحدر المياه وتتدفق السيول بغزارة لتصب في بطن وادي جراجر، مرويةً منظومة متكاملة من المدرجات الزراعية (الأحوال) المرتبة بهندسة يمنية أصيلة:

  1. حول الوسطى: وهو أول المدرجات الزراعية استقبالاً للماء في أعلى الوادي.
  2. حول مردع البركة: يليه في الترتيب المائي ليتلقى فيوض السيول المتدفقة.
  3. حيد الغوار: يمثل آخر المدرجات الزراعية في الوادي، وهو عبارة عن جبل صخري شاهق ومطلٌّ بهيبة ووقار على وادي الأشروح ومناطق بني حماد الممتدة في الأسفل.

​سحر الطبيعة بالصورة



​تنقل لنا الصورة المرفقة هذا الجمال الأخضر الخلاب لوادي جراجر؛ حيث تكسو الأشجار الكثيفة والوارفة بطن الوادي وجنباته كبساط زمردي ناضر، وتتداخل فيه المدرجات الزراعية البسيطة التي يرويها السيل، محاطة بالقمم والجبال الشاهقة التي تميز جغرافيا الحجرية، لتؤكد اللقطة عمق الراحة والسكينة التي يجدها الزائر في هذا المكان.


إن وادي جراجر بغاباته الكثيفة، ومدرجاته المتسلسلة من "الوسطى" حتى "حيد الغوار"، يمثل لوحة ختامية فائقة الجمال لقرية يهوسن؛ أرض الأصالة، والماء، والخضرة، والوجه الحسن.

فساتين الربيع وحنين الجدران: يهوسن الحبيبة وموئل الأجداد والأصالة

 

إن للمكان روحاً تشدّ النفوس، وفي قرية يهوسن يتجلى هذا الوجود المتكامل الذي صاغه رب العباد ليكون آية في الجمال والروعة على مدار فصول السنة. هي المعشوقة التي لا تُنسى، واللوحة التي تسحر العيون والقلوب كلما تبدلت أثوابها وتزينت بجمال الطبيعة.

​الفساتين الخضراء وزينة الفصول

​أراد الخالق لهذه القرية الحصينة أن تكون فاتنة بكل تفاصيلها؛ فحين يحل الربيع، يكسو تضاريسها وجبالها بساطٌ أخضر ممتد كأنه الحلي والمطرزات التقليدية البديعة التي تغزلها الطبيعة بعناية.

​تطل يهوسن على محبيها بفساتينها الرائعة والمتنوعة، فتارةً تتشح بوشاح الضباب الأبيض، وتارةً تزدان بالخضرة اليانعة، لتبقى دوماً مكاناً تشتاق إليه العين والروح، ولسان حال أبنائها يلهج حباً وفخراً: "تفديك روحي يا قريتي الجميلة".

​حنين الجدران وإرث الأجداد الشامخ

​هذا الحب الجارف ليس وليد اللحظة، بل هو ارتباط وثيق بالتراب والهوية؛ فكلما اشتد الشوق بأبنائها، سارعوا لزيارتها، يقبلون جدرانها العتيقة وحجارتها الصامدة، تعبيراً عن حب عميق وولاء لمن سكن هذه الديار ونزلها من الآباء والأجداد.

​لقد ترك الأجداد خلفهم تاريخاً مجيداً وتراثاً كبيراً محفوراً في تفاصيل البيوت والحصون والمزارع، وفي كل نظرة تقع على هذا الإرث العريق، يزداد الأبناء فخراً وشيوخاً وشموخاً بانتمائهم لآل السروري ولهذه الأرض المباركة.

​توثيق الجمال والوفاء بالصور

​تأتي الصور المرفقة لتترجم هذه الكلمات الشاعرية العذبة إلى مشاهد حية:

  • جمال المدرجات والكسوة الخضراء 



  • لقطة ساحرة تبرز أحد فساتين القرية المطرزة بالخضرة، حيث تحتضن المدرجات الزراعية الخصيبة أشجار الذرة والنباتات الواعدة بعد هطول الغيث، لتعكس عظمة الإنتاج الطبيعي وجمال الريف

  • ​شموخ البناء وعراقة الحصون 



  •  توثق هذه الصورة جدران منارة القرية الحجرية وبيوتها العتيقة المتربعة فوق قمم الجبال الشاهقة، التي يقبلها المحبون حنيناً للأجداد، مشرفةً بهيبة ووقار على الوديان والمجاري المائية الممتدة في الأسفل

محراب الوحدة والوداد: جامع يهوسن وملتقى آل السروري في يوم العيد

 

المعالم في قرية يهوسن ليست مجرد جدران وأحجار، بل هي روح تنبض بالوجود المتكامل، وتاريخ يروي حكاية التلاحم والصفاء الذي يتوارثه الأجيال. وفي قلب هذا الوجود، يقف جامع القرية شامخاً ليكون الشاهد الأكبر على وحدة الكلمة والقلوب.

​صرح العقيدة واللقاء المبارك

​في هذا الصرح الديني المبارك والمسجد الجميل، تذوب المسافات وتتجلى أسمى معاني الأخوة الإنسانية والإسلامية. هنا، يجمع الأهالي محراب واحد، ويرتفع فوقهم أذان واحد، وتلمهم عقيدة واحدة راسخة تتحدى عوادي الزمن.

​ومع انقشاع سحابة صلاة العيد في هذا الجامع المتواضع ببنائه، العالي الشامخ بمنارته، يغدو المكان هو الملتقى الأعظم لجميع أفراد الأسرة والقرية الواحدة؛ حيث يلتقي فيه رجال وأبناء آل السروري يتبادلون فيوض المشاعر الجميلة، ودفء العواطف الصادقة، وتبادل القبلات والتهاني التي تعبر عن أصدق آيات المحبة. إنه مشهد يجسد صفاء الوجوه ونقاء القلوب التي غسلها الإيمان والوداد.

​منارة تصدح بالجمال


 

​توثق الصورة المرفقة هذا المعلم الروحي والتاريخي البديع؛ حيث ترتفع منارة الجامع الشامخة في سماء يهوسن، والتي يتردد صدى أذانها الجميل والندي في كل وادٍ وهضبة من هضاب القرية. يظهر خلف السور الأبيض أفراد من آل السروري وهم يتجمعون في باحة المسجد عقب الصلاة، في لقطة حية تختصر قيم الروابط الأسرية المتينة والبهجة الفطرية التي يزدان بها ريفنا الغالي في أيام المسرات.


إن هذا الملتقى العيدي تحت ظلال المئذنة الشامخة يؤكد أن قوة قرية يهوسن لم تكن يوماً في تحصيناتها الجبلية فحسب، بل في هذه القلوب الحية المتآلفة التي تجتمع على الحق والخير، وتحمل إرث الأجداد والمصلحين بكل فخر ووفاء.

ملتقى الهيبة والجمال: "سيل الركب" الأسطوري وشلال وادي يهوسن الشامخ

 

حين تجود السماء بخيراتها على جبال الحجرية وتعز، تتشكل في الأفق لوحة طبيعية مهيبة تتجاوز حدود الخيال؛ حيث تنصهر الجغرافيا وتتحد الوديان لتعزف معاً سيمفونية الهطول والتدفق، معلنةً عن ميلاد "سيل الركب" (أو سيل ذبحان) الأسطوري.

​شريان الطبيعة: من أين يولد سيل الركب؟

​لا يمثل سيل الركب تدفقاً عادياً للمياه، بل هو الملتقى الأعظم لسيول المنطقة؛ حيث تتجمع الهطولات والسيول الجارفة المتدفقة بعد الأمطار من ثلاثة محاور استراتيجية وضواحيها:

  1. منطقة ذبحان وضواحيها الباسقة.
  2. منطقة المشارقة وضواحيها العريقة.
  3. منطقة عهدة وضواحيها الجميلة.

​تندمج هذه القوى المائية الهائلة وتصب كامل طاقتها في وادٍ واحد هو وادي يهوسن الحصين، لتصنع مشهداً تسير به الركبان ويسلب عقول كل من وقف على ضفافه.

​شلال الركب: الطائر المشتاق لمعانقة الأرض

​الذروة والجمال الخيالي لهذا السيل يتجليان عندما تصل هذه الحشود المائية إلى حافة الارتفاع الشاهق لتتدفق وتصب بقوة من "شلال الركب" المهيب.

​من ذلك الارتفاع العالي جداً، ينطلق الماء متطايراً في الفضاء كأنه طائر مشتاق يسرع لمعانقة الأرض الخصيبة والبراعم الندية. يملأ المكان رذاذ مائي كثيف ونسيمات متطايرة تدغدغ الحشائش والنباتات المستقرة على المدرجات الجبلية، لتعطرها بعبير الندى الفواح وتغمر الوادي بنشوة وراحة دافئة.

​مسار السيل: من يهوسن إلى البركاني

​بعد هذا الهبوط الأسطوري والشلال الشامخ، يواصل السيل الهادر مسيرته الطويلة، فيمر بـ وادي الأشروح الممتد بمسافاته الطويلة، شاقاً طريقه بقوة وعنفوان حتى يصل في نهاية المطاف إلى منطقة "البركاني"، وهناك يتفرع ويتوزع ليروي مساحات شاسعة من الأراضي والوديان المستقرة في الأسفل.

​توثيق الطوفان الأبيض بالصور

​تنقل لنا لقطاتكم المصورة القوة والجمال الطبيعي الآسر لهذا السيل المبارك:

  • هيبة الشلال والهبوط الشاهق




  • ​توثق هذه الصورة الرهيبة شلال الركب وهو يتدفق بياضاً كالثلج من أعلى القمم الصخرية الشاهقة لـ يهوسن، منحرفاً ومندفعاً بقوة بين الصخور في مشهد بانورامي يحبس الأنفاس

  • ​انسياب السيول في بطن الوادي


  • تظهر اللقطة الثانية السيل بعد هبوطه وهو يشق مجراه كالشريان الأبيض وسط الخضرة والمدرجات، محاطاً بأشجار الوادي الكثيفة التي ترتوي من رذاذه العذب





  • امتداد البساط الأخضر والضباب صورة بديعة تلخص مشهد الجبال والمزارع المحيطة بمسار السيل وهي مغسولة بماء المطر ومتشحة بالضباب، حيث تبتسم الطبيعة وتتفتح مساماتها ابتهاجاً بمرور هذا الغيث الهادر

هيجة العدوف: الغابة الساحرة والمعالم التاريخية في جنوب شرق يهوسن

 

إلى جانب الجداول والينابيع، تحظى قرية يهوسن بتنوع تضاريسي وبيئي مذهل يجعلها بستاناً أخضر متكاملاً. ومن أبرز هذه المعالم الطبيعية والتاريخية الفريدة المتربعة في جنباتها، تبرز منطقة "هيجة العدوف" كشاهد على جمال الطبيعة وعراقة الاستيطان البشري.

​غابة الهيجة.. طبيعة بكر وبرك مائية ساحرة

​تقع "هيجة العدوف" في الجهة الجنوبية الشرقية من قرية يهوسن، وهي عبارة عن غابة كثيفة ممتدة وطويلة المسافة، تمتاز بخضرتها الدائمة وأشجارها الوارفة التي تظلل المكان.

​ولا تقتصر روعة الهيجة على أشجارها فحسب، بل يتخلل هذه الغابة الممتدة العديد من الأماكن البديعة والبرك المائية الجميلة التي تجمع مياه الغيث والينابيع، ومن أشهر هذه البرك التاريخية التي يعرفها الأهالي:

  • بركة بوريا
  • بركة العيل

​تعتبر هذه البرك بمياهها الصافية واحة هدوء واستراحة للمارين ورعاة الماشية وسط الطبيعة البكر.

​دار وسد العدوف: حراس الوادي والتاريخ

​امتداداً لجمال الغابة وطبيعتها، تبرز المعالم البنائية التاريخية التي تؤكد قدم هذه المنطقة:

​1. دار العدوف التاريخي

​يلي البرك مباشرة معلماً هندسياً عريقاً وهو "دار العدوف"؛ دارٌ يفوح منه عبير التاريخ القديم، ويتميز بموقعه الاستراتيجي الفريد حيث يتوسط أول الوادي في اتجاه قرية يهوسن، ليكون بمثابة البوابة الحارسة والمشرفة على المزارع والوديان المستقرة في أحضان القرية.

​2. سد العدوف

​يعقب الدار التاريخي "سد العدوف"، وهو منشأة مائية تقليدية هامة شيدت لحجز المياه وتنظيم الاستفادة منها في ري وتغذية الأراضي الزراعية المحيطة، ليكمل منظومة الري البديعة التي تمتاز بها المنطقة.

​توثيق طبيعة ومعالم العدوف بالصور

​تضعنا الصور المرفقة في قلب هذه الأجواء الخضراء والتاريخية:

  • جمال الخضرة والامتداد


  • توثق هذه اللقطة الطبيعة الساحرة للمنطقة، حيث تظهر الأشجار الكثيفة والنباتات الخضراء التي تميز الغابة، ممتدة بين الصخور الجبلية ومحيطة بالمسارات المائية.
  • ​عراقة البناء والوديان


  • تظهر الصورة الثانية إطلالة على الوادي حيث تنساب المدرجات الزراعية والأشجار، ويبرز في الأفق البناء التقليدي العتيق الذي يعكس نمط العمارة اليمنية القديمة وحضورها المهيب في وسط الوادي



هندسة الري التقليدي في يهوسن: حكاية "المردة" وسواقي الخير

 

الزراعة في ريف اليمن ليست مجرد مهنة، بل هي قصة تلاحم أبدي بين الإنسان والأرض. وفي قرية يهوسن، يتجلى ذكاء الأجداد في ابتكار أنظمة ري تقليدية فريدة تضمن استدامة الحياة للمحاصيل والمزارع، مستفيدة من نعم السماء والينابيع المتدفقة.

​سر التسمية: ما هي "المَرَدة"؟

​حبا الله قرية يهوسن بمورد مائي خاص ودائم؛ وهو السيل المتدفق من الينابيع المجاورة للوادي. ولكي تتحقق العدالة في التوزيع والاستفادة القصوى من كل قطرة ماء، أنشأ الأهالي حاجزاً مائياً تقليدياً يُعرف باسم (المردة).

​ولغوياً وتراثياً، فإن اسم "المردة" مأخوذ من الفعل (مَرَدَ) أو (رَدَّ الماء)؛ أي منعه وحجزه وسدّ طريقه. وهو عبارة عن حاجز محكم أو سدٍّ صغير وظيفته حبس وتجميع مياه السيل والينابيع لبضعة أيام أو ساعات معينة، حتى يتسنى التحكم بمسارها وتوجيهها صوب السواقي.

​عبقرية ري المزارع بنظام "الدَّوْر"

​بعد أن يجتمع الماء خلف "المردة"، يبدأ مزارعو الوادي بأخذ حصصهم من المياه وفق نظام مائي دقيق ومتوارث يعتمد على "الدَّوْر" (مزارع تلو الآخر)، مما يتيح ري البساتين على مدار العام دون عناء أو نزاع.

​ومن المزارع الخالدة التي يمتد إليها المجرى المائي الرئيسي من هذا الحاجز:

  • مزرعة العم/ عبدالواسع محمد عبدالله
  • مزرعة العم/ قاسم أبو بكر وعمر
  • مزرعة العم/ عبدالرحمن محمد عبدالله
  • مزرعة العم/ محمد عبدالهادي

​توثيق هندسة الماء بالصورة




​تظهر الصورة المرفقة حاجز "المردة" التقليدي المبني بإتقان بين صخور الوادي الشديدة، حيث يظهر بوضوح كـ (سد وحاجز) يمنع هدر المياه ويجمعها، لتتدفق من فوقه بعد ذلك كشلالات صغيرة عذبة تجري في الساقية والمجرى الممتد نحو بساتين الأعمام الكرام، مستظلة بأشجار الوادي الكثيفة والوارفة.


إن نظام الري بـ "المردة" في قرية يهوسن ليس مجرد وسيلة لسقي الزرع، بل هو شاهدٌ حي على الفقه الزراعي، والتكافل الاجتماعي، والتنظيم البديع الذي جعل من هذه القرية شامة خضراء تسلب عقول الزائرين وتملأ قلوب أهلها بالفخر والخير المستدام.


ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف

  أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع...