أصوات الحقول وأشجان الحصاد: "مهاجل الصراب" وتراثها الأدبي في يهوسن

 ​يرتبط الإنسان في قرية يهوسن بأرضه ارتباطاً وجودياً، ويتجلى هذا التلاحم في أبهى صوره خلال "أيام الصراب"—وهي الأيام المجيدة لجني المحاصيل الزراعية وحصاد خيرات الأرض. في هذه المواسم، لا تحتفي يهوسن بالثمر فحسب، بل تصبح حقولها ومدرجاتها الخضراء مسرحاً مفتوحاً للفن والأدب؛ حيث تصدح حناجر الرجال والنساء بـ "المهاجل والزوامل" الشعبية، التي تُلهب الحماس وتحكي بواقعية وعمق تفاصيل الحياة الريفية.




​الخصوصية العروضية لمهجل الصراب الصباحي

​يلاحظ المتتبع لـ "المهجل الصرابي الصباحي" الذي يبدأ بعبارة «واليوم والله.. واليوم دائم»، أنه يحمل خصوصية أدبية تفرده عن بقية المهاجل الزراعية الأخرى. فمن الناحية العروضية، يُعد هذا المهجل فريداً في تعرضه لما يسميه علماء العروض بـ «الإكفاء» (وهو تنوع حرف الروي مع اتحاد ما قبله)، حيث اعتمدت قوافيه على "حرف التأسيس" و"الدخيل" دون الالتزام بروي واحد ثابت (مثل: دائم، سحائب، سائر، حوائج، نخائل).

​التأسيس: هو الألف الواردة في كلمة (دائم)، والتي يفصل بينها وبين الروي حرف متحرك.

​الدخيل: هو الحرف المتحرك (كالهمزة) الواقع بين ألف التأسيس وحرف الروي.

​ورغم هذا التحرر القافوي، إلا أن الإيقاع اللحني للمهجل يظل منسجماً ومتدفقاً، يتماشى مع حركة المزارعين ونشاطهم العفوي.

​زفرات القلوب وشجن الفراق وسط الحقول

​للوهلة الأولى، قد تظهر مهاجل الحصاد مشغولة بالعمل والحركة والحماس الجسدي، مما يجعلها تبدو غير آبهة بالعواطف المحبوسة في الصدور. لكن المتأمل في نصوصها، يجدها تنفجر أحياناً على شكل زفرات عميقة منتزعة من أعماق القلب، تلخص قضايا اجتماعية وعاطفية متشعبة الجذور، كالحنين للحبيب الغائب في أيام الحصاد:

​أحباب قلبي.. ساروا بعائد

معي جبيب.. له دهر غائب

صرب ووجم.. وغاب دئم

وغاب نجمه.. بين السحائب

يارب تسوق.. سوق السحائب

​فلسفة الاغتراب وتقلبات الدهر في وجدان المزارع

​لم تكن المهاجل مجرد تسلية، بل كانت مرآة تعكس واقع الهجرة السفر وملازمة القوافل التي فرضتها الظروف المعيشية على أبناء الحجرية. وتأتي بعض النصوص حكمية وبليغة، تعاتب الذين يتركون أرضهم ويوجهون نداءً مفعماً بالخوف من غدر الزمن وتقلبات الأحوال:

​يا حادي العيس.. حادي الركائب

يا عيس حني.. وايا رخائل

وايا رحيله.. مع الرحائل

حنيت يا عيس.. حنين دائم

حنين محبوس.. بالقيد هائم

واليوم هذه.. شدوا الرحائل

كم من قبيلي.. بالعهد عائب

وأنا لعهدي.. حافظ وصائن

واخي لا ترحل.. مع الرحائل

لا تأمن الدهر.. والدهر عائب

والدهر واخي.. ماضي وعائد

بيني و بينك.. عهد الله قائم

والله يعلم.. ما بالضمائر

والله يعلم.. بالحال دائم

والحال حوال.. والحال زائل

​تظهر هذه الأبيات نضجاً فكرياً وفلسفياً كبيراً؛ فهي لا تلوم لمجرد اللوم، بل تشير بعين الحكمة إلى مصاعب الغربة، وتقلبات الزمان الزائل، مؤكدة على قيم الوفاء بالعهود وصون الهوية والأرض.

​السفر من أجل المنفعة وبشائر الحركة التجارية

​على الجانب الآخر، لم تقف المهاجل ضد السفر بالمطلق، بل نجد نصوصاً تحث على الترحيل والحركة إذا كانت الغاية منها المنفعة ونقل البضائع والتجارة (كنقل الأمتعة عبر الجِمال)، في تصوير حي لحركة "الجمّالة" وقوافلهم التي كانت تجوب الخبوت والتهائم:

​يا جمال اليوم.. عبي الغرائز

مراكب البحر.. زلوا التهائم

وأنا جميلي.. يهدر وقائم

يهدر من الكوم.. ملاّ الفدائم

من فوق حمله.. زادوه غرائر

يا سارح اليوم.. خبت الرمائل

قم شد وارحل.. مع الرحائل

قم شد وارحل.. وارخي الزمائم

ولا تحمل.. حمول جائر

ولا تخبر.. ولا تسائل

لو شاورنك.. قل لهم زائر

​إن مهاجل الصراب في قرية يهوسن هي كنز أدبي وفلكلوري أصيل، يثبت أن ريفنا لم يكن مجرد مدرجات زراعية صامتة، بل كان منبعاً للوعي، والحكمة، والشعر الحاضر في السراء والضراء، ليظل هذا التراث الخالد فخراً تتوارثه الأجيال وعنواناً لشموخ وعراقة هذه البلاد وأهلها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرية يهوسن الفاتنة: حيث يعانق التاريخ سحر الطبيعة والتراث

عتاد الأرض وهندسة الكفاح: دليل الأدوات الزراعية التقليدية في يهوسن

أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن