هندسة الري التقليدي في يهوسن: حكاية "المردة" وسواقي الخير
الزراعة في ريف اليمن ليست مجرد مهنة، بل هي قصة تلاحم أبدي بين الإنسان والأرض. وفي قرية يهوسن، يتجلى ذكاء الأجداد في ابتكار أنظمة ري تقليدية فريدة تضمن استدامة الحياة للمحاصيل والمزارع، مستفيدة من نعم السماء والينابيع المتدفقة.
سر التسمية: ما هي "المَرَدة"؟
حبا الله قرية يهوسن بمورد مائي خاص ودائم؛ وهو السيل المتدفق من الينابيع المجاورة للوادي. ولكي تتحقق العدالة في التوزيع والاستفادة القصوى من كل قطرة ماء، أنشأ الأهالي حاجزاً مائياً تقليدياً يُعرف باسم (المردة).
ولغوياً وتراثياً، فإن اسم "المردة" مأخوذ من الفعل (مَرَدَ) أو (رَدَّ الماء)؛ أي منعه وحجزه وسدّ طريقه. وهو عبارة عن حاجز محكم أو سدٍّ صغير وظيفته حبس وتجميع مياه السيل والينابيع لبضعة أيام أو ساعات معينة، حتى يتسنى التحكم بمسارها وتوجيهها صوب السواقي.
عبقرية ري المزارع بنظام "الدَّوْر"
بعد أن يجتمع الماء خلف "المردة"، يبدأ مزارعو الوادي بأخذ حصصهم من المياه وفق نظام مائي دقيق ومتوارث يعتمد على "الدَّوْر" (مزارع تلو الآخر)، مما يتيح ري البساتين على مدار العام دون عناء أو نزاع.
ومن المزارع الخالدة التي يمتد إليها المجرى المائي الرئيسي من هذا الحاجز:
- مزرعة العم/ عبدالواسع محمد عبدالله
- مزرعة العم/ قاسم أبو بكر وعمر
- مزرعة العم/ عبدالرحمن محمد عبدالله
- مزرعة العم/ محمد عبدالهادي
توثيق هندسة الماء بالصورة
تظهر الصورة المرفقة حاجز "المردة" التقليدي المبني بإتقان بين صخور الوادي الشديدة، حيث يظهر بوضوح كـ (سد وحاجز) يمنع هدر المياه ويجمعها، لتتدفق من فوقه بعد ذلك كشلالات صغيرة عذبة تجري في الساقية والمجرى الممتد نحو بساتين الأعمام الكرام، مستظلة بأشجار الوادي الكثيفة والوارفة.
إن نظام الري بـ "المردة" في قرية يهوسن ليس مجرد وسيلة لسقي الزرع، بل هو شاهدٌ حي على الفقه الزراعي، والتكافل الاجتماعي، والتنظيم البديع الذي جعل من هذه القرية شامة خضراء تسلب عقول الزائرين وتملأ قلوب أهلها بالفخر والخير المستدام.

تعليقات
إرسال تعليق