طقوس الأرض والسياسة: عادات "يوم الصراب" وجسارة المهاجل السياسية في يهوسن
إذا كان لـ "أيام الصراب" في قرية يهوسن وبلاد الحجرية نكهتها الأدبية في الحقول، فإن لها في قلوب المزارعين وبيوتهم شأناً عظمياً؛ إذ يُعتبر هذا اليوم بمثابة وليمة ومهرجان اجتماعي تتداخل فيه قيم التكافل الصادق، والأنفة الريفية، والعادات الحازمة التي تنظم الحياة الأسرية، وصولاً إلى توثيق المحطات السياسية والتاريخية عبر حناجر الفلاحين.
"الحنذور": مائدة الكرم ومكافأة السواعد السمر
لا يذهب المزارعون إلى حقول يهوسن في أيام الصراب كأُجراء، بل يلبون دعوة صاحب الأرض مسرورين بروح الجوار والأقارب. وتتنوع أشكال هذا العون بين:
- "السُّخرة": وهو العمل التعاوني الطوعي بلا مقابل.
- "الضَّهاء": وهو نظام تبادل العون (قضاء يوم عمل بيوم مثله).
وتقديراً وتكريماً لهذه السواعد التي تبذل الجهد والمشقة دون كلل، يحرص صاحب العمل على إعداد وجبة غداء دسمة للغاية، غنية باللحم والسمن الحري، وينقلها مع أسرته إلى موقع الحصاد، وتُعرف هذه المائدة بـ "الحنذور".
ولأنها مائدة استثنائية لا تظهر إلا في أوقات الشدة والعمل الإستراتيجي، فقد ارتبطت بموسمين فقط: (الصراب وبذر الحبوب "الذري")، وبها تصدح الأهزوجة النيسانية الشهيرة:
«وأرعويه إندي الذري والحنذور.. واندي الدجاجة اللي جناحه مكسور»
المهاجل السياسية: صوت الفلاح ضد جور السلطة من الأتراك إلى الأئمة
لم تكن مهاجل الصراب بمعزل عن الواقع السياسي والأزمات التاريخية التي مرت بها المنطقة؛ بل كانت منبراً حراً وجريئاً للتنديد بالظلم، والجور، والضرائب التعسفية التي كانت تفرضها سلطات الدولة لتقدير محاصيل الرعية وتجريدهم من كفاحهم، فيصدحون بالحماس الساخر:
وأيا مخمل لك المصائب
سبعة بقصله على الجشائب
ويمتد هذا الوعي التاريخي إلى أيام الاحتلال العثماني، حيث كانت الحقول ترتفع بالدعاء والشكوى:
من دولة الترك ياالله الجمائل..
وحتى عهد الأئمة، لم تسلم السخرية اللاذعة من سلوك "المشائخ والوجهاء" الذين كانوا يسلمون أولادهم رهائن لضمان الولاء والتمتع بالامتيازات على حساب الرعية:
الشيخ يوصي يشا رهائن
الشيخ مزبط يشا نعائم
يامن تشيّخ أندي رهائن
يامن تعقل باع البهائم
حزم العرف الاجتماعي: "الذي تحرن أيام الصراب ترجع بلا رضاء"
من تجليات قوة الترابط الاجتماعي واستشعار المسؤولية الكبرى في مواسم الخير، جرى العرف التقليدي في مناطق الحجرية على فض النزاعات الأسرية فوراً ودون شروط خلال هذا الموسم.
فالمرأة التي تتشاجر مع زوجها وتغادر بيتها حانقة (غاضبة) إلى بيت أهلها في أيام الصراب، يقضي العرف القبلي الملزم والـحَكَم القاطع بإعادتها إلى بيت زوجها في يومها ذاته مكرهةً ودون حاجة لمصالحة أو "إرضاء"، تخليداً للمثل الشعبي الحازم: «الذي تحرن أيام الصراب.. ترجع بلا رضاء»؛ لأن ترك العمل والمسؤولية في أيام الحصاد الشاقة يُعد تفريطاً في أمن الأسرة الغذائي والاجتماعي.
"كن بصرابك مجنون": حيوية النشاط ونبذ الخمول
تتمايز المهاجل وتختلف باختلاف الحالة النفسية والعملية للمواسم؛ فبينما تتسم مهاجل الخريف بالنشوة والابتهاج المتناغم مع تماوج السنابل، فإن مهاجل الصراب تتسم بـ الحيوية المتدفقة والسرعة الإنجازية، التزاماً بالمثل الزراعي الحكيم: «كن بصرابك مجنون وبذريك عاقل».
لذلك، فإن هذه المهاجل تنبذ الكسل، وتوقظ النيام مع تباشير الصباح الباكر لملامسة الأرض وحصد الثمر:
قم وحّد الله واعبد نائم
واعبد راقد فوق الوسائد
ياراقد اليوم كم لك نائم
ماترقد النوم إلا البهائم
إن "يوم الصراب" في تاريخ قرية يهوسن والحجرية يبرهن على أصالة مجتمع ريفي متمسك بعاداته العربية العريقة، مجتمع يعرف كيف يُكرم الصديق، وكيف يصون الأرض والمسؤولية، وكيف يرفع صوته شموخاً في وجه الجور والظلم لتبقى سيرته حية نابضة في سفر التاريخ والذاكرة الشعبية.
تعليقات
إرسال تعليق