أصالة المدرج: طقوس زينة الأثوار وحكمة الفلاح في مواجهة "الهجاري"

 

​مع إشراقة الموسم الزراعي المبكر في قرية يهوسن وبلاد الحجرية، لا تنشط أسواق الأدوات التقليدية فحسب، بل تتجه أنظار الفلاحين نحو أسواق البقر لشراء الثيران القوية؛ حيث ترتفع بورصة أسعارها لتصل حدود 200 ألف ريال للثور الواحد. وهناك، في تفاصيل رعاية هذه الأنعام، تتجلى طقوس من المحبة والوفاء لا يعرفها إلا أبناء الأرض.

​طقوس الفجر: السمن البلدي وزينة "التشقير" العطرية




​يستذكر الحاج قائد سيف ملامح من الماضي الجميل الذي يفيض بحسن المعاملة والتدليل لشركاء الأرض؛ فمع حلول موسم بذر الحبوب («الذري»)، يبكر الفلاحون فجراً لإخراج الأثوار من الحظيرة لتتشمس في هدوء الصباح، ثم يقومون بغسلها بالماء النقي وتقديم الأعلاف والماء لها.

​وبعدئذٍ، تأتي طقوس التزيين الفريدة؛ حيث يُرش ظهر الثور ورأسه بـ السمن البلدي ويُمسح به جيداً، ليعقب ذلك طقس «التشقير»؛ والتشقير في عرفنا هو جمع باقة من أجمل الأعشاب العطرية المتوفرة في وادي القرية—مثل الريحان (الشور) والزعفران وغيرهما—ثم صرّها وتربيطها بعناية على رأس الثور ليفوح عطراً، وينطلق نحو «الحول» بكل نشاط وحيوية مقبلاً على الميدان. وهنا يصدح الفلاح زاملاً بفخر:

لاتبيع الثور ... إلا بعد الشور

لاتبيع ثوره .. إلا بعد شوره

ثوري عاطش ماء .. ثوري غبان

ثوري من شرعب .. والخيول تلعب

وسط ميدان .. هجده والبيرين سوقهم ثاني


​هندسة الأعمار: حكمة "الجُبار" وعذر "الأعجال"

​يمتلك المزارع في يهوسن خبرة فطرية في تصنيف الثيران وحساب قوتها ومدى تحملها، ويطلق على الثورين معاً اسم «الضَّمْد».

  • الضَّمْد «الجُبار» (جمع جابر): هي الثيران المسنة الخبيرة التي "خسرت أسنانها" (أي قلعتها وأكملت تبديلها)؛ فهذه الثيران تمتلك جلداً وقوة فائقة على الحراثة ومواصلة العمل دون تعب تحت لهيب الشمس وحتى مغيب الشمس، ولذا يقترن بها المثل القائل: «ماصاحب الجُبار حيث ما اشتهى قيل»—ومعناه أن صاحبها يرتاح متى ما أراد («قيل» أي أخذ قيلولة) لأنه مطمئن لقوة ثيرانه وجسارتها.
  • الضَّمْد «الأعجال» (الجذوع): هي الثيران شابة العمر الصغيرة التي لم تخسر من أسنانها شيئاً بعد؛ ولأنها تفتقر للخبرة والتمرس، فإنها تتعب سريعاً وقت الظهيرة وتحاول الهروب نحو ظلال الأشجار للاستظلال من حر الشمس الشديدة، ويعذرها الفلاح لقلة حيلتها كما يقول المثل: «أما صاحب الأعجال تحت الشجيره أعذر»؛ لأنه يضطر لأخذ قسط من الراحة معها ولا يستطيع مواصلة العمل الشاق.

​صمود الهجاري: حوار "الرعوي" و"البتول" خلف النبال

​في ذروة حرارة الشمس الحارقة (وقت الهجاري)، يشتعل الحماس في المدرجات؛ حيث يلتفت «الرعوي» (وهو صاحب الأرض) مخابطاً «البتول» (وهو الحارث المحترف وصاحب الأثوار)، طالباً منه ألا يتراجع أمام القيظ، بل أن يتحين وقت الظهيرة ويضغط بقدمه بثقل فوق «النبال» (المحراث)، في إشارة إلى ثقته المطلقة بقوة ثيران "الجبار" وتحملها الشديد:

كم وقت الهجاري ... إدعس عالنبالي


​وإستجابةً لهذا النداء، يواصل البتول كفاحه متمسكاً بمحراثه حتى وقت العصر، ملتفتاً إلى ثيرانه («الضميدة») ليناجيها بصوت حانٍ يقطر حباً وشجناً، طالباً منها ألا تفك نير الحراثة إلا مع اقتراب غروب الشمس، داعياً لها بالسلامة من ضربات السوط والجهد:

ألا ياذي الضُميدة ... راعيك أوصاني

لافُك ولاقيل ... إلا عصر داني

ألا ياسين عليكم ... والملاح من الموت

من شلة العيدان .... ومن ضربة السوط


​سيمفونية الفلاح: من طرب المحراث إلى شجن الاغتراب

​تستمر الأغنية الشعبية في مرافقة الفلاح خلف محراثه؛ فحين يشق الأرض يغني بأصواته الشجية مستعذباً طعم الماء البارد بعد العطش والجهد:

وارشا وبارديه = شرية البارد هنيه

وارد الماء وارديه = ياحلا ووارديه


​ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه البلاد، فإن هذه الكلمات والأهازيج الزراعية تهاجر معهم في الغربة، لتتحول في لياليهم الباردة خلف الحدود إلى لوعة حنين وشوق جارف لمدرجات قرية يهوسن وأيام حراثتها:

الليل أهيم والصبح أدقدق أسلاك .. ويوم ثاني وسوسة وشكاك

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرية يهوسن الفاتنة: حيث يعانق التاريخ سحر الطبيعة والتراث

عتاد الأرض وهندسة الكفاح: دليل الأدوات الزراعية التقليدية في يهوسن

أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن