أصوات الحنين والطواحين: أهازيج المرأة الريفية في رعيها وغربتها ومطاحنها بيهوسن
إن القيمة الجمالية للمهاجل الزراعية في قرية يهوسن وعزل بلاد الحجرية لا تأتي من كونها إرثاً متوارثاً وحسب، بل لأنها مرآة صادقة تنبض بأجواء كل فصل وموسم؛ فكل تفصيل في الحياة اليومية له أهزوجته الخاصة. وإذا كان الرجال يصدحون خلف المحراث، فإن للمرأة الريفية سيمفونيتها الراسخة في الأذهان، والتي ترافقها في أصعب لحظات عملها: من رعي الأغنام والاحتطاب، إلى زفرات الشوق خلف المغتربين، وصولاً إلى طحن الحبوب خلف الرحى التقليدية.
1. أهازيج الاحتطاب والرعي: خضرة الوديان ودموع الأحباب
أثناء خروج المرأة الريفية في أوقات رعي الأغنام أو عند الاحتطاب وتقليم الأشجار لتجميع حطب الموقد تحت زخات المطر، تتمازج أصواتها العذبة مع الطبيعة الخضراء لتردد واحدة من أكثر الأغاني الشعبية رسوخاً وشجناً، مستحضرةً "وادي الضباب" الشهير:
وادي الضباب ماءك غزير سكاب
نصه مطر.. ونصه دموع الاحباب
2. لوعة الفراق والأسى: بواكي المغتربين في ليالي السهر
ولأن الهجرة كُتبت على أبناء هذه التضاريس، فقد كانت المرأة الريفية في يهوسن وذبحان هي الحارس الوفي لانتظار الغائبين. ومن بين جدران البيوت الحجرية، تصعد زفرات الشوق الحارقة في مهاجل الاغتراب، تنديداً بالمسافات وتأكيداً على حنين الذكريات:
غائب سنين.. قالوا السنة وصوله
الله يصيب من كان سبب رحيله
كم اذكره في سهرته ومقيله
يوم السفر كان الهوى دليله
وحين تعجز الرسائل عن الوصول خلف البحار، تلجأ المرأة إلى الطيور المحلقة في السماء، لتستحلفها أمانةً بأن تحمل أشواقها وتأتيها بلمحة خبر عن الحبيب:
بالله عليك يا طير يا معلي.. إن كان ترى خلي.. أمانتك تقلي
شاحملك شوقي إليه وحسي.. بالله عليك يا طير أمانتك لا تنسي
3. أهازيج الرحى والمطاحن: دُعابة الصبا والبحث عن "حصاد الستر"
حين تجلس المرأة الريفية وراء "الرحاء التقليدية" لطحن الحبوب، تخلط تعب الجسد بالدُعابة العفوية التي تضج بالأنوثة والحياء. فتحت وطأة الطحن، تلتفت الفتاة إلى أخيها الصغير لتجعله حكماً ورسولاً بينها وبين أبيها (شعدلك على أبي أي: أنت الـحَكَم بيني وبينه)، طالبةً منه بجرأة ريفية محببة أن يزوجها بدلاً من المماطلة والانتظار، مشبّهةً نفسها بالذرة البيضاء الناضجة في موسم الصراب (خيار صرابي)؛ في كناية بليغة بأن قطافها قد حان وأنه قد آن وقت زواجها:
يا أخي الصغير .. شعدلك على ابي
قله يزوجني.. ومو يشابي
كعوب صدري .. حرقوا ثيابي
وجهي ذرة بيضاء .. خيار صرابي
إن هذه المهاجل النسوية المتوارثة في قرية يهوسن تثبت أن المرأة لم تكن مجرد شريكة كفاح في الحقل والمنزل فحسب، بل كانت وما زالت شاعرة الأرض وقيثارة الشجن التي حوّلت المشاق اليومية من رعي واحتطاب وطحن إلى أغانٍ خالدة تُخلّد كبرياء المجتمع الريفي وأصالته المتمسكة بالقيم العربية العريقة.

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق