ترانيم المرأة الريفية في يهوسن: زفرات الشوق وعزة النفس على ضفاف السوايل والأكراف
أذا كان للريف قيثارة تنبض بالصدق والكبرياء، فهي صوت المرأة الريفية في قرية يهوسن وبلاد الحجرية. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال لقطع وقت العمل، بل كانت "موجزاً أنبائياً" مصاغاً بالشجن والأنفة، يسرد تفاصيل الاغتراب القسري للأزواج، ويصف كفاح الصبا، ويرسم بجرأة عفوية طهر الحب، ومكابدة العيش شح المياه.
وفي هذه القراءة التوثيقية، نُبحر في أعماق هذه الترانيم مع تفكيك معانيها البليغة:
1. ثورة العُمر الضائع: عتاب لاهب لعواصم الاغتراب
حين يطول غياب الزوج المغترب، ترفض المرأة الريفية أن تُختزل حياتها في أموال أو هدايا تُرسل عبر المسافات. إنها تطلقها صرخةً عالية مدوية: «مشتيش ثياب ولا فلوس ربابي» (لا أريد ثياباً ولا أموالاً)، فـ «ما هوش بهجرك يوم من شبابي» (ما الفائدة من هذا الهجر الذي يسرق أيام صباي؟).
وتتحسر بمرارة على سنين عُمرها التي «جزع» (مرت وانقضت) في مجرد انتظار الرسائل، قائلةً بأسى يذيب القلوب:
غبني على عمري جزع رسايل
شيبتني وانا وليد جاهل
(وتعني بـ "وليد جاهل" أنها كانت لا تزال صغيرة غرة، فضاع شبابها في الانتظار).
ثم تلتفت بنقدها الساخر واللاذع نحو عادات الاغتراب في "الرياض"، واصفةً المفارقة المؤلمة التي يعيشها الأزواج:
أهل الرياض شهرين يعطروهن
وأربع سنين للجن يهجروهن
2. كبرياء الريفية: صدري "مرعى خصب" أو "طريق صنعاء"
تتجلى أنفة المرأة وعزة نفسها في هذه الربوع؛ فهي تفتح قلبها لمن تحب وتجعله كـ «الحشيش والمرعى» (العشب الأخضر والروض الخصيب)، لكنها تضع كرامتها فوق كل اعتبار، فإما وفاء وحب مستحق، وإلا فالفراق العاجل:
فتحت لك صدري حشيش ومرعى
إن أعجبك والا طريق صنعاء
فتحت لك صدري تدخل تشوفه
تقراء شرف الحب على حروفه
وحين يصفو الهوى، يتدفق شجناً غزلياً عذباً يفيض بالجرأة البريئة والتمني بقرب الدار:
يا ليتنا جارك أو بجنب دارك
شاقفز إلى صدرك وأقد زرارك
(وكلمة "شاقفز" هنا تعني: سوف أتلقف وأتسلق إليك بشوق جارف).
3. لوعة الخوف والارتباك: إشاعات العواذل ومرور الحبيب الـ "مجمش"
تستمر الترنيمة في تصوير القلق النفسي الشديد الذي تعيشه المرأة بسبب إشاعات الناس ومحاولات إخافتها على حبيبها («يفجعوني» أي يخوفوني)، حتى يختل توازن تفكيرها ومرادها («حسي ارتبش وخاطري تغشوش» أي تخربط عقلي وارتبك خاطري)، وتحديداً حين يمر بجانبها الحبيب وهو «مجمش» (أي متخفٍ ومغطى بالحجاب) فلا تكاد تتبينه:
سميتني لك سم حار قاطع .. ليله تموت وليلتين تنازع
فك اللثام تحت اللثام مبسم .. مثل السيوف بالحرب يقطروا دم
سبايبك يالخل شقتلوني .. هل من صحيح والا يفجعوني
حسي ارتبش وخاطري تغشوش .. لما جزع جمبي الحبيب مجمش
مطر غزير والشمس لا عيوني .. خلي بخير والناس يفجعوني
(تقول في المقطع الأخير: رغم أن المطر ينهمر بغزارة والشمس تضرب عيوني، ورغم تهويل الناس وإخافتهم لي، إلا أن قلبي يحدثني أن خلي بخير).
4. في السايلة ورعي الغنم: سيرة الطيور ومكابدة الجفاف
لا تغيب تفاصيل العمل اليومي الشاق عن هذه الأغاني؛ فحين تنذر السماء بالبرق والرعد، تتنادى الراعيات قائلات: «شنجلس» (سوف نرتاح) لأن الوقت لا يزال «مغلس» (أي باكراً في أول الصباح أو أول الليل):
وراعيه ردي الغنم شنجلس
سيدي الكريم عاد راعده مغلس
وفي مشهد بليغ آخر، ترسم الترنيمة صورة فتاتين «بالسايلة يسيرين» (يمشين في مجرى مياه السيول والأمطار)، وهن يبحثن ويدققن النظر في الأرض بحثاً عن «ريش الجرع شطيرين»؛ و"الجرع" هو طائر بري شهير يشبه الدجاج، تبحث الفتيات عن ريشه الخفيف والجميل كرمز للأمل والرغبة في الطيران والتحليق بعيداً عن أثقال الواقع:
ثنتين بنات بالسايله يسيرين
يدورين ريش الجرع شطيرين
ثم تصل الترنيمة إلى ذروة البلاغة التوثيقية والاجتماعية عند وصف شح المياه وجفافها («الماء نزاف» أي شحيح جاف يوشك على النفاد)، حيث يجتمع الأهالي لاقتسام ما تبقى من ماء المطر المحفوظ في «الأكراف» (وهي السدود أو الحواجز المائية التقليدية الحجرية)، فلا يغرفون بالأواني بل يتقاسمونه شحيحاً براحة أكفهم! وهنا تظهر معادن الناس وتمايز طبائعهم في الأزمات:
الماء نزاف يتقا سموه بالاكراف
الجيدة يغرف والذليل يختاف
(إنها صورة تعبيرية مبهرة: فالمرأة «الجيدة» أي الأصيلة الشجاعة تتقدم بثبات لتغرف نصيبها بأنفة، بينما الشخص «الذليل» الجبان يتراجع للخلف ويأخذ نصيبه بذعر وخوف «يختاف»).
إن هذه الأهازيج الشعبية والترانيم النسوية العفوية هي التوثيق الحي الحقيقي لتاريخ قرية يهوسن؛ طُبعت بدموع الأمهات، وعزة نفس الفتيات، وصمود الراعيات، لتظل نبراساً يحفظ هويتنا الحجرية الأصيلة للأجيال القادمة
تعليقات
إرسال تعليق