ثالوث الأرض المقدس: الفلاح والثور والمحراث.. وسيمفونية الكفاح في ربا يهوسن
لا يمكن لمن يتأمل مدرجات قرية يهوسن وربا الحجرية الخصيبة أن يخطئ ذلك الرابط الوجداني العجيب الذي يجمع بين الفلاح، وثوره، ومحراثه، وفي قلب هذا المشهد التجلي الأسمى لكفاح المرأة الريفية الفاضلة. إنها ليست مجرد علاقة عمل عابرة، بل هي "علاقة ارتباطية" تفيض بالعشق، والولع، والشجن؛ صاغها الإنسان الريفي في أهازيج ومهاجل وزوامل تُعد من أثمن كنوز الفلكلور الشعبي الذي يوثق تلاحم البتول مع أرضه وشريكة كفاحه وأدواته.
"المَهرَد": طهر المرأة الريفية وأيقونة الجمال الكادح في الحقول
في غمرة العمل والمشقة بالمدرجات الزراعية، تبرز صورة «المَهرَد» كأيقونة فريدة تعكس عظمة المرأة الريفية؛ والمَهرَد هي المرأة الأصيلة التي تضع على وجهها مسحوقاً تقليدياً أصفر اللون يُسمى «العُصفر»، حيث يُطحن ويُخلط مع قليل من الماء ثم يُمسح به الوجه ليمنحه صبغة صفراء تشبه لون الكركم. وفي الأيام التي لا يتوفر فيها العُصفر، تستعيض عنه بـ «الهُرد» (الكركم الحجري).
ولا تقف هذه المادة كزينة وجمال فحسب، بل إن لها وظيفة علمية هامة؛ إذ تعمل كواقي طبيعي يحمي بشرة المرأة من أشعة الشمس القاسية والشديدة وتعمل على ترطيبها أثناء قضائها ساعات طويلة في الحقول، إلى جانب ما تضفيه من منظر جمالي مشرق للوجه. ومن هنا جاء المهجل الصباحي ليحيي همة هذه المرأة الكادحة وهي تشق وتصرب أعالي "الجِرب" (الأراضي الزراعية):
لانت مرادك بالمهرد.. أحرث أروان الجِرب
الولع بالثيران: تدليل الأثوار وأوصافها في الذاكرة الشعبية
إلى جانب تحية المرأة الريفية، يصل ارتباط الفلاح بثوره إلى حد المفاخرة والعشق؛ حيث يتغنى بخصاله ويضمنه في مهاجل الزراع وزوامل الرعية بأوصاف تبرز ذكاءه وقوته. فتجده يتغنى بـ «الأشعب» المحمي بـ «المفدم»—وهو غطاء تقليدي يُصنع بعناية من سعف النخيل (الخزف) ويُوضع على فم الثور لمنعه من أكل المحاصيل والزرع أثناء الحرث:
وقلبي يحب الثور الأشعب.. والمفدم لاحزب
كما يعشق الفلاح الضمد «الرجوع»—وهي الثيران "المربعة" حسب لغة الفلاحين، أي التي خَسرت أربعاً من أسنانها؛ ويميزها الفلاح لأنها باتت خبيرة بالأرض وتعرف مسار الحراثة بدقة وعفوية دون أي تعرج أو إعاقة، ولا تحتاج معها من البتول زجراً أو قولة "ارجع":
أنا قلبي مولع.. بالضُميد الرجوع
لاتقبل الموهر.. ولاقولة ارجع
واضميد جودي.. الحديد ينحل.. وأنت للمزيدِ
تعليقات
إرسال تعليق